في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
من العواصف المتفاقمة إلى الموجات الباردة القاسية، ومن الجفاف إلى موجات الحر، يلاحظ الجميع أن الظواهر المتطرفة تنتشر حاليًا أكثر من أي وقت مضى.
فمثلا، عرف العرب من قديم الزمن الموجات الحارة وسموها الوغرات، لكن هذه الموجات الآن باتت أطول، وأشد، وتتكرر بمعدلات أكبر من الماضي، حتى بات الصيف كله موجة حارة كبرى، فما السبب في كل ذلك؟
التطرف المناخي ليس نوعا جديدا من الطقس بقدر ما هو نتيجة منطقية لرفع حرارة نظام كامل كان مضبوطا على توازنات دقيقة لآلاف السنين.
عندما تزداد حرارة الغلاف الجوي والمحيطات بسبب تراكم غازات الدفيئة، فإن متوسطات الطقس تتحرك، لكن الأهم أن "أطراف التوزيع" تتحرك معها.
لفهم الفكرة، تخيل درجات الحرارة خلال السنة كمنحنى جرسي، ذلك الذي درسناه قديما في المدرسة، في الوسط توجد الأيام العادية التي تتكرر كثيرا، وعلى الطرفين توجد الأيام النادرة جدا، أي طرف ساخن جدا (موجات حر قياسية) وطرف بارد جدا (موجات برد قاسية).
هذه الأطراف هي ما يقصد العلماء بـ "أطراف التوزيع"؛ لأنها تمثل الحالات المتطرفة التي تحدث قليلا مقارنة ببقية الأيام، وعندما يسخن المناخ ويرتفع المتوسط العام لدرجات الحرارة، لا يتحرك الوسط وحده، بل يتحرك المنحنى كله نحو الأعلى، فتتحرك الأيام شديدة الحر من كونها نادرة إلى كونها أكثر تكرارا، وتصبح الأرقام القياسية أسهل حدوثا.
ثم يأتي عامل يضاعف الأثر، وهو جفاف التربة. ففي أيام الصيف الحارة، تبرد التربة الرطبة الهواء عبر التبخر، لكن مع تزايد موجات الحر وتكرار فترات الجفاف، تجف التربة مبكرا، فتتعطل مكابح التبريد الطبيعية ويذهب مزيد من الإشعاع لتسخين الهواء مباشرة، فتتضخم الموجة الحارة وتطول مدتها.
تصف الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ ذلك بأنه واحد من "الأحداث المركبة"، أي أن الخطر لا يأتي من ظاهرة واحدة فقط، بل من تزامن ظاهرتين أو أكثر بحيث تزيد كل واحدة الأخرى سوءا، فموجة الحر تجفف التربة والنباتات بسرعة، ومع جفاف التربة يقل التبخر الذي كان يبرد الهواء طبيعيا، فتتحول طاقة الشمس إلى تسخين مباشر للهواء بدل تبخير الماء.
النتيجة حلقة تغذية راجعة، فهناك حر يزيد من الجفاف، وجفاف يزيد من الحر، فتطول الموجة وتشتد آثارها على الزراعة والحرائق والموارد المائية.
السبب الثاني الكبير، والذي يفسر في الوقت نفسه فيضانات أشد وعواصف أغزر، هو أن الهواء الدافئ يحمل بخار ماء أكثر.
هناك قاعدة ترموديناميكية شهيرة تسمى "علاقة كلوزيوس-كلابيرون" (Clausius-Clapeyron) تقول إن قدرة الهواء على حمل الرطوبة تزداد بنحو 7% لكل ارتفاع مقداره درجة مئوية واحدة.
هذا يعني "وقودا مائيا" إضافيا لأي سحابة أو عاصفة، وعند توافر الظروف، يهطل المطر بغزارة أكبر وفي زمن أقصر، فتزداد احتمالات الفيضانات المفاجئة.
ولأن المحيطات هي الخزان الحراري الأكبر، فإن تسخينها يغير ديناميكا الغلاف الجوي بأكمله، فارتفاع حرارة سطح البحر ومحتوى حرارة المحيط يزيد التبخر، ويرفع الرطوبة المتاحة للعواصف، ويغذي ظواهر مثل موجات الحر البحرية التي يمكن أن تؤثر في سلاسل الغذاء البحرية.
بالنسبة للأعاصير المدارية، فإنها تشبه محركا يتلقى طاقته من حرارة سطح البحر، والحرارة الأعلى في سطح البحر تعني طاقة كامنة أكبر، والهواء الأدفأ يعني مطرا أغزر داخل الإعصار، ومن ثم فالاحترار العالمي يجعل الأعاصير قادرة على حمل بخار ماء أكثر وإنتاج معدلات هطول أشد، ولذلك يتوقع العلماء زيادة نسبة الأعاصير الأشد من الفئات الرابعة والخامسة، وارتفاع شدة رياح الأعاصير الأكثر عنفا مع زيادة الاحترار العالمي.
هناك أيضًا عامل ارتفاع مستوى سطح البحر، فالجليد في القارة القطبية الجنوبية والقمم الجبلية ومناطق مثل غرينلاند يذوب، وينزل إلى المحيط فيرفع سطحه، مثلما تضع قطعة ثلج في ماء الكوب فترفع سطحه، وربما يفيض الكوب على جوانبه.
يعد ارتفاع سطح البحر سببا مباشرا لكون العواصف الساحلية أكثر تدميرا، فنفس العاصفة التي كانت تحدث فيضانات ساحلية محدودة قبل عقود، قد تدفع اليوم مياها أعلى إلى الداخل لأن خط الأساس (سطح البحر) ارتفع.
والواقع أن ارتفاع سطح البحر يساهم في ازدياد معدلات وحدة ظواهر متطرفة مثل الفيضانات، لأنه أولا يقرب الماء من السطح، وثانيا لأن التربة الجافة (بسبب تغير المناخ) تسهل جريان الماء فتنتشر الفيضانات في مساحة أوسع.
بل ويصل هذا التأثير إلى الموجات الباردة، وهو أمر قد يبدو للوهلة الأولى مفارقة، إلا أنها ممكنة، حيث يعتقد فريق من العلماء أن هذا النوع من الأحداث المناخية، التي تبدأ من الموجات الباردة وتصل إلى العواصف الثلجية مثل تلك التي نشاهدها اليوم في الولايات المتحدة، بدأ بالتفاقم بسبب التغير المناخي، فالغلاف الجوي الأدفأ -بسبب احترار المناخ- يستطيع حمل بخار ماء أكثر، هذا يرفع قابلية حدوث هطولات أغزر للثلج، وإذا توفر هواء بارد كاف، فإن زيادة الرطوبة قد تعني ثلوجا أثقل.
من جانب آخر يرى العلماء أن احترار الكوكب يرفع من حالات تفتت الدوامة القطبية، وهي منطقة ضغط منخفض مستمرة تدور بطريقة تشبه الإعصار أعلى كل قطب، وتمتد في عمق الغلاف الجوي للأعلى، وتتسبب هذه الدوامات في كتلة كبيرة من الهواء البارد الكثيف تحتها وتحيط بكل قطب.
وفي الحالة الطبيعية، فإن هذه الدوامات تكون في صورة خلية أو قبة واحدة متماسكة، وبالتالي يكون الهواء البارد أسفلها محصورا تماما عند الدوائر القطبية فقط.
لكن في بعض الأحيان، فإن تلك الدوامات قد تضعف، وهنا يمكن أن تنقسم إلى خليتين أو أكثر، وتبدأ في السفر بعيدا عن القطبين، وعندما تكون الدوامة القطبية ضعيفة للغاية، يمكن أن تتفتت بشكل كبير وبالتالي تسافر جنوبا إلى مناطق أعمق، وصولا إلى عمق دول مثل الولايات المتحدة، أو حتى شمال أفريقيا والعالم العربي.
أحد أسوأ الأخطاء في الفهم والتي يتبادلها الناس عن التغير المناخي هي ظنهم أن التغير المناخي يعني فقط ارتفاع درجات الحرارة بقدر يسير، لأن المناخ -ببساطة- هو منظومة معقدة.
لفهم ذلك دعنا نتخيل أننا قمنا بتصميم مجموعة من الأجراس الإلكترونية بحيث تطلق صافرة ما إن تستشعر أي صوت على مسافة 5 أمتار منها، ثم قمنا بتغطية قطعة أرض ضخمة بـ10 آلاف أجراس، كل منها على مسافة 5 أمتار من الآخر في كل الاتجاهات، ثم قمنا بضرب جرس واحد فقط، هنا سيؤثر هذا الجرس في المحيطين به، ثم ينتشر التأثير ويتوسع ليشمل كل الأجراس.
تعتمد المنظومات المعقدة بشدة على الظروف صغيرة التأثير، هذا هو ما نعرفه جميعا باسم "تأثير الفراشة" والذي يقول، في صورته الأدبية، إن حدثا صغيرا كرفرفة جناح فراشة في الصين قد يتسبب في إعصار بالولايات المتحدة، والقصد هنا هو أن تلك الأحداث الصغيرة تنمو شيئا فشيئا لتؤثر في كل شيء بمحيطها ما يعطيها دفعة أكبر للنمو، وهكذا يستمر النمو حتى يصبح تأثيرها كارثيا.
المنظومات المناخية كذلك كل نقطة فيها ترتبط بأخرى، وحينما ترتفع متوسطات درجات الحرارة، ولو بقدر يسير، فإن هناك فرصة أكبر لظهور الحالات المناخية الشاذة والمتطرفة، ونعني هنا أشياء مثل الموجات الحارة، والموجات الباردة، والعواصف الرملية، والأعاصير المميتة، إلخ.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة