آخر الأخبار

نبات ليبي يربح معركة الاستدامة ضد الصبغات الصناعية.. ما القصة؟

شارك

كثيرة هي الحلول التي حاول خلالها العلماء استخدام خامات طبيعية لإنتاج مواد ماصة يتم توظيفها لالتقاط الملوثات من مياه الصرف الصناعي، لكن عادة ما كانت تصطدم هذه الحلول القائمة بشكل أساسي على المخلفات الزراعية مثل قش الأرز ونشارة الخشب وقشور الفواكه ببعض المعوقات، أبرزها أن الخامات القائمة عليها ترتبط بموسم محدد، وهذا يجعل الحل غير مستدام على مدار العام، كما أن بعضها غير قابل للمعالجة الكيميائية بشكل مثالي، ومن ثم تكون قوة امتصاصه أضعف من الحلول التقليدية، فضلا عن أنها قد تتحلل بسرعة أو تفقد فعاليتها بعد دورة أو دورتين من الاستخدام، مما يزيد التكلفة على المدى الطويل.

وفي محاولة لتجاوز هذه التحديات، وجد فريق بحثي ليبي من جامعة بنغازي، بالتعاون مع باحث من جامعة تريبهوفان بنيبال، ضالته في نبات أصيل في البيئة الليبية وهو "أربوتس بفاريي" أو ما يعرف محليا بـ "القطلب" أو "الشماري"، حيث نجحوا في استخدام أوراقه لإنتاج مادة ماصة لصبغة "الفيوليت الميثيلي 6 بي"، وهي من الصبغات شائعة الاستخدام في صناعة المنسوجات، الورق، وأحيانا الأدوية.

وأكدت التجارب التي أجريت على المادة الجديدة، والتي أسماها الباحثون "إم إيه بي إل"، اختصارا لـ "المادة الماصة من أوراق أربتوس البفارية المعدلة"، أنها تجاوزت كل التحديات السابقة، فهي قائمة على نبات محلي متوفر بكثرة في منطقة الجبل الأخضر على مدار العام، وتقبل أوراقه المعالجات الكيميائية، ويحقق نتائج في التقاط الصبغات حتى 3 مرات مع الحفاظ على أكثر من 83% من كفاءته.

ويقول الدكتور أشرف الحشاني، أستاذ الكيمياء بكلية العلوم جامعة بنغازي، والباحث الرئيسي بالدراسة للجزيرة نت، إنه "إلى جانب الوفرة في بيئة منطقة الجبل الأخضر في ليبيا، وهي ميزة رئيسة للنبات شجعتنا على البحث عن استخدامات صناعية لأوراقه، فإن أوراقه نفسها كانت تتمتع بمزايا مشجعة، أبرزها أنها غنية بمادة "الليجنوسليلوز"، وهي خليط من ثلاثة مكونات رئيسية، وهي السليلوز والهيميسليلوز واللجنين، وهذه المكونات تحتوي على المجموعات الوظيفية، مثل الهيدروكسيل والكربوكسيل، والتي تعمل مثل خطافات كيميائية صغيرة على سطح الورقة".

مصدر الصورة احتواء أوراق القطلب على مادة (الليجنوسليلوز)، أحد المزايا المهمة التي أهلتها للاستخدام كمادة ماصة للصبغات (شترستوك)

تفعيل كفاءة الخطافات

وللاستفادة من هذه الميزة المهمة في أوراق النبات، سعى أشرف ورفاقه إلى تفعيل كفاءة الخطافات على سطح الورقة عن طريق تعديلها كيميائيا بالمعالجة الحمضية والقلوية، وهذا التعديل من شأنه أن يزيد عددها، ويجعلها سالبة الشحنة أو أكثر نشاطا، وبما أن الصباغ المستهدف (الفيوليت الميثيلي 6 بي) موجب الشحنة، فإنه ينجذب بقوة إلى هذه المجموعات السالبة، فتلتصق جزيئات الصباغ بسطح الأوراق المعدلة بسهولة.

إعلان

وكشف الباحثون في الدراسة المنشورة بدورية "رزلتس إن كمستري" (Results in Chemistry)، الخطوات التي ساروا عليها في سعيهم لتحقيق هذا الغرض، والتي بدأت بتنظيف وتجفيف الأوراق ثم طحنها للحصول على مسحوق ناعم، ثم معالجتها حمضيا باستخدام "حمض الكبريتيك"، لتكسير بعض مكونات النبات مثل "الهيميسليلوز" و"الليجنين" وكشف الألياف الأساسية "السليلوز"، مما يزيد المسامية، ثم تجرى معالجة قلوية تعرف باسم "الزنتنة"، يتم خلالها معالجة المادة بمحلول قلوي "هيدروكسيد الصوديوم"، ثم يتبع ذلك إضافة ثاني كبريتيد الكربون، والهدف هو إضافة مجموعات كيميائية جديدة غنية بالكبريت إلى سطح المادة، تزيد من قدرة الامتصاص، وبعد ذلك، تغسل المادة وتجفف لتصبح جاهزة للاستخدام كمادة ماصة لصبغة "الفيوليت الميثيلي 6 بي".

ويقول أشرف إن "الطريقة التقليدية لتعديل المواد الحيوية غالبا لا تفتح البنية الداخلية بشكل كاف، لكن الطريقة التي تم استخدامها تفتح بنية مركب (الليجنوسليلوز) بالمعالجة الحمضية، بينما الزنتنة تضع خطافات قوية داخله لالتقاط الصبغة، والنتيجة هيكل مسامي كبير مع كثافة عالية من المواقع النشطة، ما يزيد قدرة الامتصاص".
خصائص مميزة للمادة الجديدة

وبعد المعالجة، كشفت التحاليل العلمية التي أجراها الباحثون على المادة الجديدة باستخدام مجموعة من الأدوات المتقدمة أنها أصبحت مهيأة لأداء دور فعال في الامتصاص.
ويوضح الحشاني أن "المجهر الإلكتروني الماسح"، أظهر أن سطح الأوراق تحول من أملس إلى خشن ومتشقق، مما يسهل وصول الصبغة إلى الداخل.

أما "مطياف الأشعة تحت الحمراء"، فقد أثبت نجاح التعديل الكيميائي، بحدوث اختفاء لبعض المجموعات الكيميائية الأصلية في النبات، وإضافة مجموعات كيميائية نشطة مثل زانثات وكربوكسيلات، كما أظهر "تحليل مساحة السطح ونفاذية المسام"، حدوث زيادة كبيرة في مساحة السطح والحجم الكلي للمسام، ما يعزز قدرة المادة على امتصاص الصبغات.

وأخيرا، كشف "تحليل حيود الأشعة السينية" انخفاض درجة البلورية، أي أن المادة أصبحت أقل انتظاما، مما يسهل دخول الصبغة إلى المسام الداخلية.

مصدر الصورة أوراق نبات "القطلب" تقبل المعالجات الكيميائية، وهذه إحدى المزايا التي كان يبحث عنها العلماء (شترستوك)

كفاءة عالية في الامتصاص

وانتقل الباحثون بعد إثبات أن المادة مهيأة للامتصاص إلى التجارب المعملية، حيث أظهرت أداء عاليا في إزالة صبغة "الفيوليت الميثيلي 6 بي"، حيث بلغت أقصى قدرة امتصاص نحو 228.3 ملغ من الصبغة لكل غرام من المادة، وذلك تحت ظروف مثالية شملت درجة حموضة قريبة من التعادل، واستخدام كمية صغيرة جدا من المادة الماصة.

ويشير أشرف إلى أن "هذا الأداء المرتفع لا يعتمد على عامل واحد فقط، بل هو نتيجة تضافر عدة آليات تفاعلية، فإلى جانب الجذب الكهروستاتيكي بين الصبغة موجبة الشحنة وسطح المادة الماصة السالب، تلعب الروابط الهيدروجينية وقوى التجاذب غير الكهربائية التي تحدث بين حلقات الصبغة والمكونات العطرية في اللجنين دورا مهما في تثبيت جزيئات الصبغة".

وبالإضافة لهذه الفعالية العالية في الامتصاص، فإن المادة الجديدة تتميز بمجموعة من المزايا يذكرها الحشاني منها أنها مادة رخيصة، متجددة، وقابلة لإعادة الاستخدام، حيث يمكن إعادة استخدامها 5 مرات مع الحفاظ على 83% من الكفاءة باستخدام محلول قاعدي خفيف (محلول هيدروكسيد الصوديوم بتركيز 0.1 مولار)، كما أنها مناسبة بشكل خاص للمناطق ذات الموارد المحدودة، لمعالجة مياه الصرف الصناعي بدون تكلفة عالية أو معدات معقدة.

إعلان

والخطوة التالية للفريق البحثي ستكون بالانتقال من التجارب المختبرية إلى أنظمة التدفق المستمر بالمصانع لتقييم الجدوى الاقتصادية والتشغيلية على نطاق واسع، كما سيسعون لاختبار مواد نباتية محلية أخرى باستخدام نفس الآلية لتطوير مجموعة من المواد الماصة المناسبة لكل منطقة.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار