آخر الأخبار

من بطل العالم إلى وصيف إفريقيا .. ماذا قدم فيلدا لمنتخب "اللبؤات"؟

شارك

حين تعاقدت الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم مع الإسباني خورخي فيلدا لقيادة المنتخب الوطني النسوي في أكتوبر 2023، لم يكن الاختيار عاديا، فالمدرب جاء إلى المغرب بعد أسابيع قليلة من قيادة إسبانيا إلى التتويج بكأس العالم للسيدات.

وقبلها راكم مسارا حافلا مع المنتخبات الإسبانية للفئات السنية، توج خلاله بعدد من الألقاب القارية والعالمية، كما اختير سنة 2018 أفضل مدرب لكرة القدم النسوية من طرف الاتحاد الدولي لكرة القدم. لذلك كان الرهان واضحا: الاستفادة من خبرة رجل يعرف طريق الألقاب، ونقل “لبؤات الأطلس” من مرحلة المنافسة إلى مرحلة التتويج.

لكن بعد قرابة ثلاثة أعوام، تفرض حصيلة التجربة نفسها، خصوصا أن المغرب لم يكن عند وصول فيلدا منتخبا يبحث عن بناء نفسه من جديد، بل كان قد أصبح بالفعل أحد كبار القارة.

فقبل قدوم المدرب الإسباني، قاد رينالد بيدروس المنتخب المغربي إلى نهائي كأس أمم إفريقيا 2022، ثم إلى كأس العالم 2023، حيث نجحت “لبؤات الأطلس” في بلوغ ثمن النهائي، في إنجاز تاريخي جعل المغرب أول منتخب عربي يتجاوز دور المجموعات في المونديال النسوي.

بيدروس وضع الأساس.. وفيلدا لم يحقق القفزة

كان المطلوب من فيلدا واضحا، وهو البناء على ما تحقق وتحويل المنتخب من منافس قوي إلى بطل للقارة. غير أن الحصيلة لم تذهب في الاتجاه المنتظر، ففي كأس أمم إفريقيا 2024، التي أقيمت في المغرب سنة 2025، بلغ المنتخب النهائي للمرة الثانية تواليا، لكنه خسر أمام نيجيريا بثلاثة أهداف مقابل هدفين بعدما كان متقدما بهدفين دون رد، قبل أن يتوقف مشواره في نسخة 2026 عند نصف النهائي أمام الكاميرون بركلات الترجيح، ثم يخسر مباراة المركز الثالث أمام الجزائر بالطريقة نفسها، لينهي البطولة في المركز الرابع.

وهكذا، وبعد ثلاث نسخ متتالية من كأس إفريقيا احتضنها المغرب، بقي اللقب القاري عصيا على “لبؤات الأطلس”: وصافة في 2022 قبل وصول فيلدا، وصافة ثانية خلال فترة إشرافه، ثم مركز رابع في 2026. لذلك فإن السؤال لا يتعلق بقدرة المدرب على الوصول إلى الأدوار المتقدمة، فقد أثبت ذلك، وإنما بقدرته على تحقيق القفزة التي انتظرها منه المغاربة، أي تحويل الحضور القوي إلى لقب.

نجاح إسباني كبير.. فأين أثره في المغرب؟

يصعب إنكار أن فيلدا يملك سجلا قويا في كرة القدم النسوية الإسبانية، إذ لم يقتصر نجاحه على المنتخب الأول الذي قاده إلى كأس العالم 2023، بل كان جزءا من منظومة اشتغل داخلها لسنوات مع الفئات السنية، وحقق معها ألقابا أوروبية وبلغ نهائيات عالمية، قبل أن يصل إلى قمة الهرم ويتوج بطلا للعالم مع المنتخب الأول. وهذه التجربة تحديدا كانت من أهم الأسباب التي جعلت اسمه يحظى بثقة الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم.

لكن المفارقة تكمن في أن أثر هذه التجربة لا يبدو واضحا بالقدر الكافي داخل المنتخب الوطني المغربي، خصوصا على مستوى ضخ دماء جديدة. فالمغرب يتوفر على جيل من اللاعبات اللواتي تألقن في منتخبي أقل من 17 و20 سنة وشاركن في نهائيات كأس العالم للفئات السنية، غير أن انتقال هذه المواهب إلى المنتخب الأول ظل محدودا، وهو ما يطرح سؤالا مشروعا حول مشروع التكوين والربط بين المنتخبات السنية والمنتخب الأول.

وهنا لا ينبغي تحميل فيلدا وحده مسؤولية هذا الملف، لأن الأمر يرتبط أيضا بالإدارة التقنية الوطنية بقيادة فتحي جمال، وبالأندية وبطريقة تدبير المنتخبات السنية. غير أن مدرب المنتخب الأول يبقى طرفا أساسيا في هذا المشروع، خصوصا أن خبرته في إسبانيا جاءت أصلا من منظومة تعتمد على اكتشاف المواهب وتطويرها ثم إدماجها تدريجيا في المنتخب الأول.

أولمبياد باريس.. فرصة ضاعت

ومن المحطات التي لا يمكن تجاوزها عند تقييم تجربة فيلدا تصفيات الألعاب الأولمبية باريس 2024، بعدما فشل المنتخب المغربي في تجاوز زامبيا. فبعد الفوز ذهابا بهدفين لواحد، انهارت حظوظ “لبؤات الأطلس” في مباراة الإياب التي انتهت بهزيمتهن بهدفين دون رد، ليضيع بذلك حلم المشاركة في الأولمبياد، رغم أن المنتخب كان يعيش حينها أفضل فتراته بعد الإنجاز التاريخي في مونديال 2023.

ولا يعني ذلك أن كل إخفاق خلال فترة المدرب الإسباني يمكن وضعه على عاتقه وحده، لكن تراكم هذه المحطات يجعل من المشروع طرح أسئلة حول المردود الحقيقي للتجربة، خصوصا أن سقف الانتظارات كان مرتفعا منذ اليوم الأول، بالنظر إلى السيرة التي حملها فيلدا معه إلى المغرب.

في المغرب.. الراتب يتفوق على الألقاب؟

ربما تكون المفارقة الأكثر إثارة أن فيلدا، الذي كان يتقاضى في إسبانيا راتبا أقل مما يحصل عليه في المغرب، جاء إلى المملكة بعقد يمتد إلى غاية 2027 وبراتب سنوي تحدثت عنه تقارير إعلامية في حدود 200 ألف يورو، مقابل نحو 170 ألف يورو عندما كان مدربا للمنتخب الإسباني.

وإذا كانت الأرقام المتداولة تحتاج دائما إلى التعامل معها باعتبارها معطيات إعلامية وليست تفاصيل رسمية منشورة من الجامعة، فإن المقارنة تظل لافتة: مدرب قاد إسبانيا إلى المجد العالمي، وحقق ألقابا مع فئاتها السنية، أصبح راتبه في المغرب أعلى، بينما ظلت الألقاب بعيدة عن خزائن “لبؤات الأطلس”.

المشكلة، بطبيعة الحال، ليست في حصول المدرب على راتب مرتفع إذا كان مردوده يبرر ذلك، وإنما في العلاقة بين ما يحصل عليه وما يقدمه. فمدرب بهذا السجل لا يمكن أن يقاس فقط بالتأهل إلى كأس العالم أو بلوغ نصف نهائي كأس إفريقيا، لأن المنتخب المغربي كان قد وصل إلى كأس العالم ونافس على اللقب القاري قبل وصوله أصلا.

المشكلة أكبر من فيلدا

ومع ذلك، سيكون من السهل جدا اختزال كل مشاكل المنتخب النسوي في اسم خورخي فيلدا، وهو أمر لا يعكس الصورة كاملة. المغرب وفر خلال السنوات الأخيرة إمكانات كبيرة لكرة القدم النسوية، واستضاف كأس إفريقيا ثلاث مرات متتالية، وطور منتخبات الفئات السنية، وأصبح حاضرا بشكل منتظم في النهائيات القارية والعالمية. لكن هذه الإمكانات تحتاج إلى مشروع واضح ومستدام يحدد شكل المنتخب بعد خمس أو عشر سنوات، وليس فقط أهداف كل بطولة على حدة، ما يضع الكرة في مرمى الإدارة التقنية الوطنية.

فيلدا نجح في الحفاظ على حضور المغرب ضمن كبار إفريقيا، وقاده إلى نصف نهائي كأس إفريقيا ثلاث مرات متتالية، كما ضمن معه التأهل إلى كأس العالم 2027، ولذلك فإن وصف تجربته بالفشل الكامل سيكون مبالغة. لكن في المقابل، يصعب أيضا اعتبار التجربة ناجحة بالمعنى الذي انتظره الجمهور المغربي، لأن المنتخب لم يحقق اللقب القاري، ولم تظهر بالشكل المنتظر ملامح جيل جديد قادر على حمل المشعل.

في النهاية، السؤال ليس ما إذا كان فيلدا مدربا كبيرا، فسيرته مع إسبانيا تجيب عن ذلك بوضوح. السؤال الحقيقي هو: هل كان فيلدا هو المدرب المناسب للمرحلة التي دخلها المنتخب الوطني المغربي بعد بيدروس؟ لأن المغرب لم يكن يحتاج فقط إلى مدرب صاحب اسم عالمي، وإنما إلى مدرب يضيف قيمة جديدة إلى مشروع كان قد بدأ بالفعل، ويحول “لبؤات الأطلس” من وصيفات ومنافسات على اللقب إلى بطلات، ومعظمهن يقتربن من الاعتزال الدولي.

هسبريس المصدر: هسبريس
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا