أثار بلاغ الحكومة السنغالية، الذي نقل ملف كأس إفريقيا لكرة القدم من نطاقه الرياضي إلى مستوى سياسي وقانوني مفتوح، نقاشا واسعا داخل الأوساط الكروية والقانونية، وسط ترقب لما قد يخلفه من تداعيات مباشرة على الاتحاد السنغالي لكرة القدم ومنتخبه الوطني، خاصة في ظل حساسية القرارات المرتبطة بالألقاب القارية.
وأصدرت حكومة السنغال، أمس الأربعاء، بلاغا عبّرت فيه بشكل صريح عن رفضها لقرار لجنة الاستئناف التابعة للاتحاد الإفريقي لكرة القدم (الكاف)، القاضي بسحب اللقب من منتخبها ومنحه للمغرب، وهو ما فجّر جدلا بين خبراء القانون الرياضي والمتابعين بشأن سلامة المساطر المعتمدة وحدود الطعن الممكنة.
وقال خبراء لهسبريس: “إن هذا التحرك السياسي يفتح الباب أمام تعقيدات قانونية ورياضية غير مسبوقة، من شأنها أن تُصعّد النزاع خارج الإطار الرياضي المعتاد، وتضع الاتحاد السنغالي لكرة القدم أمام اختبارات حقيقية تتعلق بمدى احترامه لمبدأ استقلالية الهيئات الرياضية، كما قد تترتب عنه تداعيات على مستوى علاقته بالاتحادين الإفريقي والدولي”.
أفاد مراد العجوطي، رئيس نادي المحامين بالمغرب، أن القرار الصادر عن لجنة الاستئناف بالاتحاد الإفريقي لكرة القدم (CAF) بتاريخ 17 مارس 2026، يعتبر قرارا استنفد كافة طرق الطعن الداخلية، وبات يتمتع بحجية الأمر المقضي به داخل أروقة الاتحاد القاري، موردا أن “الولاية القضائية للكاف قد انتهت بصدور هذا القرار”.
وأضاف العجوطي في تصريح لهسبريس: “من الناحية القانونية الصرفة، يُعتبر المنتخب المغربي بطلا لنسخة 2025 فور صدور القرار، ولا يترتب على مجرد تقديم الطعن أمام ‘الطاس’ أي أثر لتنفيذ العقوبة أو سحب الألقاب، ما لم تصدر المحكمة قرارا استثنائيا بـ’تدابير مؤقتة’ بوقف التنفيذ، وهو أمر يتطلب إثباتات معقدة تتعلق بضرر لا يمكن جبره”.
وأشار إلى أن “عدم طعن الاتحاد السنغالي في القرار الابتدائي يعدّ نوعا من ‘القبول الضمني” (Acquiescence) بصحة الوقائع المسند إليها آنذاك”، مضيفا أن “الحقائق التي لم ينازع فيها الاتحاد السنغالي أمام لجنة الاستئناف التابعة للكاف أصبحت ‘حقائق قضائية ثابتة’ لا يجوز إعادة الجدل فيها أمام محكمة التحكيم الرياضي”.
وبخصوص البيان الصادر عن الحكومة السنغالية، فهو بالنسبة للعجوطي “منزلق قانوني خطير”، وقال: “بالنظر إلى المادة 19 من النظام الأساسي للفيفا، يظهر جليا أن مبدأ ‘استقلالية الاتحادات الرياضية’ هو خط أحمر لا يقبل التأويل”، مضيفا أن “لغة البيان التي تتحدث عن ‘رفض الدولة للقرار’ و’طلب فتح تحقيقات دولية في الفساد’ تُصنف في القانون الرياضي كـ’تدخل من طرف ثالث’ (Third-party interference)”.
كما أكد المتحدث أن “لجوء السلطة التنفيذية السنغالية لإصدار بيان سياسي للتعليق على قرار هيئة قضائية رياضية (لجنة الاستئناف بالكاف) يُعد ‘تدخلا سياسيا محظورا’، كونه يحاول توظيف الأدوات الدبلوماسية للضغط على مؤسسة رياضية مستقلة، وهو ما قد يعرض الاتحاد المعني لعقوبات قاسية تصل إلى التجميد”.
من الناحية المسطرية، أشار رئيس نادي المحامين بالمغرب إلى أن “قرارات الكاف هي قرارات ذات صبغة تقنية وقانونية صادرة عن هيئات رياضية مختصة، ولا يمكن الطعن فيها إلا عبر القنوات القضائية المختصة (محكمة التحكيم الرياضي، وليس عبر البلاغات الحكومية التي تفتقر للصفة القانونية في النزاعات الرياضية”.
أكد مصطفى الهرهار، مدرب سابق خبير في الشأن الرياضي، أن “المغرب غير معني بما صرح به المنتخب أو الحكومة السنغاليان”، موردا أن “الجانب المغربي تعامل مع الوضع بمهنية كاملة، واعتمد على المصادر القانونية المعمول بها، مع متابعة دقيقة لكل تفاصيل القضية”، وأضاف: “كل خطوة قمنا بها كانت وفق القوانين واللوائح المعمول بها لضمان حماية حقوق الفريق والحفاظ على نزاهة المنافسة”.
وأردف الهرهار، في تصريح لهسبريس، أن “المغرب أعدّ ملفه القانوني بشكل مفصل، ومن الضروري أنه تعمق في دراسة جميع الحجج القانونية، واستند إلى المادتين 82 و84 من لائحة كأس الأمم الإفريقية، لتقديم مرافعة تضمن الاستئناف بشكل أقوى”، مفيدا بأن “هذه الإجراءات تضمن أن جميع حقوق الفريق محفوظة، وأن أي قرار يصدر يكون مدعوما بالحجج القانونية المتينة”.
وتابع المتحدث شارحا: “بعد صدور القرار الأخير، الذي عاقب الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، يأتي قرار أمس ليصحح مسار القضية، ويكشف اختلالات المباراة النهائية لكأس الأمم الإفريقية”، موردا: “اليوم، أصبح المنتخب المغربي مستحقا للفوز بالكأس القارية، وهذا إنجاز حقيقي على أرض الملعب يعكس جهود اللاعبين والإدارة”.
وأشار إلى أن “لجنة الاستئناف ألغت العقوبات شكلا وموضوعا، وألغت القرار السابق الصادر عن لجنة الانضباط التابعة للكاف، مما يؤكد أن الكأس تعود للمنتخب المغربي، واسم الفريق والنجمة محفوظان”، مبرزا أن “المغرب حافظ على الأمور في نطاق الرياضة بعيدا عن السياسة، لكن الجانب السنغالي أصدر بيانا حكوميا سيكون له ما بعده، وستكون تداعياته واضحة على اتحاد هذا البلد”.
ومضى المدرب قائلا: “الرياضة بطبيعتها لا علاقة لها بالسياسة، وتنظمها قوانين واضحة وصارمة عبر الاتحاد الإفريقي والفيفا عالميا”، لافتا إلى أن “دور الدولة المستضيفة يقتصر على ضمان تنظيم البطولة بسلاسة، دون أي تدخل في شؤون اللعب أو القرارات التحكيمية، مما يحافظ على نزاهة المنافسة وعدالة النتائج”.
وذكر مصطفى الهرهار أن “المغرب نظم البطولة بكفاءة عالية”، منبها إلى أن “الكرة تُلعَب على تفاصيل وجزئيات صغيرة، وقد تشهد أخطاء ومواقف صعبة، لكن الحقائق على أرض الملعب والحجج القانونية هي التي تحدد الفائز”، وقال خاتما: “نحن فخورون بهذا الإنجاز، ونؤكد أن المنتخب المغربي هو بطل كأس الأمم الإفريقية 2025”.
المصدر:
هسبريس