هبة بريس – ياسين الضميري
في الآونة الأخيرة، تصاعدت حدة الحرب الإعلامية الدنيئة التي تشنها مختلف وسائل الإعلام الجزائرية ضد المغرب ، في مشهد لا يخرج عن كونه محاولة استفزاز ممنهجة، تقودها غرف مظلمة بإيعاز مباشر من سلطات العسكر في قصر المرادية، حرب لا أخلاق لها، ولا تستند إلى وقائع، بقدر ما تقوم على التضليل وصناعة الضجيج وبث الفتن.
هذه الحملة ليست عفوية ولا ظرفية، بل جزء من استراتيجية قديمة جديدة، كلما اشتدت الأزمات الداخلية في الجزائر، جرى البحث عن شماعة خارجية لتعليق الفشل عليها، وكان المغرب دائما الخيار الأول في خطاب موجه للاستهلاك الداخلي.
الإعلام الجزائري، الرسمي وشبه الرسمي، تخلى منذ زمن عن أبسط قواعد المهنية، وتحول إلى أداة تعبئة وتحريض، يشتغل بمنطق التعليمات لا المعلومة، وبمنطق العداء لا التحليل، في محاولة يائسة لجر المغرب إلى مستنقع الرد والانفعال.
آخر إرهاصات هذه الحملة تمثلت في سيل من التدوينات التي اجتاحت مواقع التواصل الاجتماعي، تقودها حسابات مزورة تابعة لما يعرف بالذباب الإلكتروني، بشعار واحد مكرر ومعلب “لقجع فاشل”، في محاولة مكشوفة لضرب الثقة في مؤسسة رياضية مغربية ناجحة.
المؤسف في الأمر أن بعض المغاربة، بدافع الغضب أو العاطفة، انساقوا بحسن نية وراء هذا الخطاب، وبدأوا في ترديد نفس الشعارات، دون الانتباه إلى الخلفية الحقيقية للحملة، ولا إلى الجهة التي تقف وراءها وتغذيها.
صحيح أن قرارات الكاف الابتدائية بخصوص ما وقع في نهائي كأس إفريقيا أثارت استياء واسعا، لكن التعامل مع هذه القضايا يجب أن يكون بعقل بارد، وبثقة في المساطر القانونية، خاصة وأن الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم سارعت إلى الطعن في تلك الأحكام وفق القنوات الرسمية، و أكيد لن يتوانى لقجع و من معه في الدفاع بكل الطرق عن حقوق المغرب المشروعة.
الهجوم على فوزي لقجع في هذا التوقيت ليس بريئا، فالرجل يمثل نموذجا لمسؤول مغربي راكم النجاحات قاريا ودوليا، ونجح في جعل كرة القدم رافعة دبلوماسية وناعمة للمغرب، وهو ما يزعج خصوما اعتادوا الفشل في كل الملفات.
هدف الإعلام الجزائري الحقيقي ليس الدفاع عن الرياضة ولا عن العدالة الرياضية، بل ضرب صورة المغرب من الداخل، وزرع الشك بين المغاربة ومؤسساتهم، وإحداث شرخ نفسي يستثمر لاحقا في لحظات التوتر.
إنها نفس الوصفة القديمة، عدو خارجي وهمي، وخطاب تعبوي أجوف، وصناعة شماعات تعلق عليها إخفاقات الداخل، من غلاء معيشة، وانسداد سياسي، وتراجع اقتصادي، وعزلة إقليمية متزايدة.
مصطلح “المرووووك” الذي يروج له في الإعلام الجزائري ليس سوى أداة تحقير مقصودة، تستهدف شيطنة المغرب في مخيال المواطن الجزائري، وتغذية الكراهية بدل طرح الأسئلة الحقيقية حول من أوصل البلد إلى هذا الوضع.
المغاربة مطالبون اليوم أكثر من أي وقت مضى باليقظة، وعدم الانجرار وراء الاستفزازات، لأن الرد على هذه الحملات لا يكون بالصراخ ولا بالتخوين المتبادل، بل بالتماسك الداخلي والثقة في المؤسسات والمساطر.
الوعي الجماعي هو السد المنيع في وجه كل محاولات الاختراق، والتمييز بين النقد المشروع، الذي يخدم المصلحة العامة، وبين الحملات الموجهة التي تخدم أجندات خارجية، مسؤولية وطنية قبل أن تكون موقفا سياسيا.
المغرب، بتاريخه ومؤسساته وتجربته، أكبر من أن تزعزعه حملات ذباب إلكتروني أو عناوين صفراء، وأقوى من أن يجر إلى معارك جانبية يراد بها تعطيل مساره التنموي والدبلوماسي.
أما سلطات العسكر في الجزائر، فستظل تراوح مكانها ما دامت تختار تصدير أزماتها بدل حلها، وتبحث عن عدو خارجي بدل مصارحة شعبها بالحقيقة، وتستثمر في الضجيج بدل البناء.
وفي النهاية، يبقى الرهان الحقيقي هو وعي المغاربة، لأن من يفهم اللعبة لا يسقط في الفخ، ومن يثق في بلده لا تهزه حملات التشويش، فالمغرب يمضي إلى الأمام، بينما يراهن الآخرون على الصراخ من الخلف.
المصدر:
هبة بريس