أسدل الستار مساء أمس الأربعاء على منافسات دور المجموعات للنسخة الـ35 من نهائيات كأس أمم إفريقيا “المغرب 2025″، برصيد تهديفي وافر وتألق لافت للمنتخبات العربية، في وقت فرض فيه المنطق نفسه بعيدا عن المفاجآت المدوية التي اعتادت عليها القارة السمراء في النسخ الأخيرة، حيث حجزت جميع القوى التقليدية مقاعدها في الدور ثمن النهائي.
وعلى امتداد 36 مباراة خاضتها المنتخبات الـ24، بدا واضحاً أن النسخة المغربية تسير بثبات نحو بطولة استثنائية، سواء من حيث المستوى التقني أو الانضباط التكتيكي، في ظل تقارب كبير في الأداء، وارتفاع ملحوظ في النسق الهجومي، مقابل تراجع واضح في هامش المغامرة لدى المنتخبات الصغرى، التي اكتفت بأدوار ثانوية دون القدرة على قلب موازين القوى.
وبلغ إجمالي عدد المتفرجين إلى حدود الجولة الثالثة ما مجموعه 729 ألف متفرج، في رقم غير مسبوق على مستوى هذا الدور في تاريخ البطولة القارية، ما يعكس الإقبال الواسع على مباريات المسابقة منذ صافرة الانطلاقة، وهو رقم قياسي غير مسبوق في تاريخ هذا الدور من كأس أمم إفريقيا، نتج عن نسق تصاعدي في عدد المتفرجين بين الجولات الثلاث، بما يعكس نجاح التنظيم المغربي وقوة الجاذبية التي تحظى بها البطولة.
ويأتي هذا الرقم القياسي نتيجة نسق تصاعدي في الحضور الجماهيري عبر الجولات الثلاث، إذ عرفت الجولة الأولى حضور 233.674 متفرجًا، وارتفع العدد في الجولة الثانية إلى 274.374 متفرجًا، قبل أن تسجل الجولة الثالثة 195.215 متفرجًا، لتؤكد مجتمعة أن كأس أمم إفريقيا “المغرب 2025” تسير بثبات نحو تحقيق أعلى معدل حضور جماهيري في تاريخ المسابقة.
حصيلة رقمية مميزة
مع إطلاق صافرة نهاية آخر مباريات المجموعات الست، توقفت الحصيلة التهديفية عند الرقم 87، وهو مؤشر رقمي يعكس القوة الهجومية التي ميزت هذه النسخة، حيث اقترب هذا المعدل من تحطيم الرقم القياسي المسجل في النسخة الماضية بكوت ديفوار، وتجاوز بمراحل حصيلة دورتي مصر 2021 والكاميرون 2019 اللتين لم تتجاوزا سقف 68 هدفاً في الدور الأول.
وانطلقت هذه الرحلة التهديفية التاريخية بجولة أولى اتسمت بالقوة والاندفاع الهجومي، حيث تم تسجيل 29 هدفاً في 12 مباراة، وهو معدل مرتفع جداً أعطى مؤشراً مبكراً على أن نسخة المغرب ستكون استثنائية، وكان لمنتخبات مثل السنغال والجزائر وتونس الدور الأبرز في هذا الافتتاح القوي بانتصارات عريضة سجلت خلالها ثلاثة أهداف في المباراة الواحدة.
ومع الانتقال إلى الجولة الثانية، ورغم الصراع التكتيكي المحتدم، استمر تدفق الأهداف بتسجيل 24 هدفاً إضافياً، تميزت بمواجهات “هيتشكوكية” ونتائج مثيرة مثل فوز نيجيريا على تونس بنتيجة ثلاثة أهداف مقابل هدفين، وهي نفس النتيجة التي انتهت بها مباراة موزمبيق والجابون، مما رفع الحصيلة الإجمالية قبل جولة الحسم إلى 53 هدفاً.
أما الجولة الثالثة والأخيرة فقد كانت هي “جولة الأرقام القياسية” بامتياز، حيث انفجر المهاجمون وسجلوا 34 هدفاً، وهو المعدل الأعلى في جولة واحدة، بفضل رغبة المنتخبات في حسم التأهل، حيث شهدت هذه الجولة فوز المغرب على زامبيا بثلاثية نظيفة، وتفوق جنوب أفريقيا على زيمبابوي بثلاثة أهداف مقابل هدفين، بجانب فوز الجزائر العريض على غينيا الاستوائية بنتيجة ثلاثة أهداف لهدف.
هذا التوزيع الرقمي المذهل الذي توزع بين 29 هدفاً في الجولة الأولى و24 في الثانية وصولاً إلى 34 هدفاً في الثالثة، يعكس جودة الأرضية في الملاعب المغربية التي سمحت بكرة قدم سريعة ومفتوحة، كما ساهم في بروز صراع شرس على لقب الهداف، حيث تساوى في نهاية هذا الدور كل من الجزائري رياض محرز والمغربيين إبراهيم دياز وأيوب الكعبي برصيد ثلاثة أهداف لكل منهم. إن وصول البطولة لـ 87 هدفاً في 36 مباراة فقط بمعدل يتجاوز 2.4 هدف للمباراة الواحدة.
ونجح منتخبي الجزائر ونيجيريا في التربع على عرش دور المجموعات بتحقيق العلامة الكاملة، والفوز في مبارياتهم الـ3، وهو ما لم يحققه أي منتخب آخر في مجموعات “الكان”، وحقق منتخب الجزائر الفوز في مبارياته الثلاثة أمام منتخبات بوركينا فاسو والسودان وغينيا الاستوائية، ليصل إلى 9 نقاط متصدرا ترتيب مجموعته، ونجح منتخب نيجيريا أيضا في تحقيق العلامة الكاملة بالفوز في مواجهاته الـ3 أمام منتخبات تونس وتنزانيا وأوغندا.
وضمت قائمة المنتخبات التي غادرت البطولة دون فوز كلًا من أنغولا، زامبيا، الجابون، غينيا الاستوائية، جزر القمر، زيمبابوي، أوغندا، وبوتسوانا، علما أن أكثر جولة شهدت أهداف هي الجولة الثانية برصيد 34 هدفا.
تألق عربي
سجّلت المنتخبات العربية حضورًا لافتًا في نهائيات كأس أمم إفريقيا لكرة القدم 2025، التي تحتضنها الملاعب المغربية، بعدما نجحت خمسة منتخبات في بلوغ دور ثمن النهائي، في إنجاز غير مسبوق منذ اعتماد الصيغة الموسعة للبطولة.
واستفاد المنتخب المغربي من عاملي الأرض والجمهور ليؤكد جدارته، حيث أنهى دور المجموعات في الصدارة برصيد 7 نقاط ليضمن البقاء في الرباط وخوض الأدوار الإقصائية في المركب الرياضي مولاي عبد الله بمدينة الرباط، معززًا طموحاته في البطولة التي سبق له الفوز بلقبها عام 1976.
وقدم المنتخب الجزائري أقوى العروض في الدور الأول، مبرهناً على جاهزيته لاستعادة اللقب، باعتباره المنتخب العربي الوحيد الذي حقق 9 نقاط من 3 انتصارات متتالية، واستقبل الدفاع الجزائري هدفا واحدا ليخرج بلقب أقوى خط دفاع في البطولة.
وكان المنتخب المصري، الأكثر تتويجًا باللقب القاري برصيد سبعة ألقاب، أول من حسم التأهل من بين المنتخبات العربية، عقب فوزه على جنوب إفريقيا بهدف دون مقابل، قبل أن يختتم دور المجموعات بتعادل دون أهداف أمام أنغولا، حافظ به على صدارة مجموعته.
بدوره، عاد المنتخب الجزائري إلى الواجهة القارية، بعدما ضمن العبور إلى الأدوار الإقصائية إثر انتصاره على بوركينا فاسو، وهو الفوز الذي خوّله اعتلاء صدارة مجموعته واستعادة حضوره في الأدوار النهائية بعد غياب نسختين، علمًا أنه سبق له التتويج باللقب في عامي 1990 و2019.
أما المنتخب السوداني، المتوج بكأس إفريقيا سنة 1970، فنجح في اقتناص بطاقة العبور ضمن أفضل أصحاب المركز الثالث، ليضمن حضوره في دور الـ16، قبل خوض مباراته الأخيرة في دور المجموعات أمام بوركينا فاسو، علما أن “صقور الجديان” سجلوا رقما ممزيا باعتبارهم المنتخب الوحدي في تاريخ “الكان” الذي تأهل للدور الثاني دون أن يوقع لاعبوه أي هدف، حيث كان الهدف الوحيد المسجل من أقدام المنافسين.
ويعد المنتخب السوداني هو “الحصان الأسود” والمفاجأة الأجمل للجماهير العربية في هذه النسخة، فقد تأهل لدور الـ16 كأحد أفضل “ثوالث” برصيد 3 نقاط، وهذا هو التأهل الأول لصقور الجديان للأدوار الإقصائية منذ 13 عاماً، في ملحمة كروية أسعدت كل المتابعين بالنظر إلى الظروف الصعبة التي يمر بها السودان.
وأكمل المنتخب التونسي، بطل نسخة 2004، عقد المتأهلين العرب، بعدما انتزع نقطة التعادل أمام تنزانيا مكنته من احتلال المركز الثاني في المجموعة الثالثة، ليُسجل بذلك أكبر حضور عربي في هذا الدور من تاريخ البطولة بنظامها الجديد، في المقابل، توقّف مشوار منتخب جزر القمر عند حدود الدور الأول، ليكون المنتخب العربي الوحيد الذي غادر المنافسة مبكرًا في نسخة المغرب 2025.
غياب المفاجآت
على خلاف نسخ سابقة عرفت سقوط أسماء وازنة من الدور الأول، اتسمت مرحلة المجموعات في “كان المغرب 2025” بغياب المفاجآت الكبرى، حيث نجحت المنتخبات المصنفة ضمن الصف الأول في تأكيد تفوقها، وفرض منطقها على المنافسين.
وعجزت المنتخبات الأقل تصنيفاً عن مجاراة الإيقاع العالي، أو استثمار لحظات التفوق الجزئي، لتكتفي بأدوار ثانوية، رغم محاولات متفرقة لم تكتمل بسبب نقص الخبرة أو ضعف الفعالية الهجومية، ويعكس هذا المعطى اتساع الفجوة نسبياً بين المنتخبات الكبرى ونظيراتها الصاعدة، في ظل الفارق الواضح على مستوى البنية التحتية، والتحضير، ونوعية اللاعبين، وهو ما جعل دور المجموعات محطة عبور سلسة للمرشحين الأبرز.
ومع اكتمال عقد المتأهلين، تتجه الأنظار الآن نحو صدامات “تكسير العظام” في دور الثمن، حيث يبرز في الأفق مسار ملتهب يضع المنتخبات وجهاً لوجه مع اختبارات حقيقية، وسيكون الجمهور على موعد مع مواجهات حارقة، بداية بمباراة السنغال ضد السودان، والصدام التكتيكي بين مالي وتونس، بينما يستهل أسود الأطلس رحلتهم الإقصائية بمواجهة تنزانيا، في حين تصطدم الجزائر بالكونغو الديمقراطية في اختبار بدني صعب، وتواجه مصر طموح منتخب بنين، مما يجعل من الدور القادم بمثابة “بطولة جديدة” تنطلق بملامح الكبار وطموحات العرب.
المصدر:
العمق