هبة بريس-جرسيف

لم تعد الاحتجاجات التي تشهدها بعض الجماعات الترابية التابعة لنفوذ دائرة جرسيف مجرد وقائع متفرقة يمكن التعامل معها كل واحدة على حدة، بل أصبحت تطرح سؤالاً أكبر حول طريقة تدبير الملفات المحلية، وحول مدى حضور السلطة الترابية في مواكبة قضايا المواطنين واحتوائها قبل أن تصل إلى مرحلة الاحتجاج.

ففي دائرة جرسيف، تتكرر بين الفينة والأخرى ملفات واحتجاجات مرتبطة بجماعات ترابية مختلفة، وهو ما يجعل من المشروع اليوم طرح علامات استفهام حول أداء الدائرة، باعتبارها حلقة أساسية في منظومة الإدارة الترابية، وحول الطريقة التي يتم بها التعامل مع مطالب الساكنة والملفات التي تصل إلى مصالحها.

المشكل لا يكمن في أن المواطن يحتج، فالاحتجاج حق من حقوق التعبير، وإنما في أن يصل المواطن إلى مرحلة يشعر معها بأن الاحتجاج هو الطريق الوحيد لإسماع صوته. والأسئلة هنا كثيرة: أين يبدأ دور دائرة جرسيف في الإنصات؟ أين تتوقف مسؤوليتها في التتبع؟ وهل يتم التدخل في الوقت المناسب عندما تبدأ بوادر الاحتقان في الظهور؟

ما يقع في عدد من الجماعات التابعة للدائرة يستحق قراءة جدية، خصوصاً عندما تتحول ملفات محلية إلى وقفات أمام عمالة إقليم جرسيف، أو عندما يقرر محتجون مغادرة مناطقهم والسير لمسافات طويلة من أجل إيصال مطالبهم إلى الرباط.

وهنا تحديداً، يصبح من المشروع توجيه النقد إلى طريقة اشتغال دائرة جرسيف، ليس من باب تحميلها مسؤولية كل الملفات، وإنما من باب مساءلة قدرتها على لعب دورها في الوساطة والتنسيق والإنصات والتدخل المبكر.

فإذا كان الملف من اختصاص جماعة ترابية أو قطاع حكومي معين، فإن المواطن يحتاج إلى من يوجهه ويشرح له المساطر والجهة المختصة ومآل طلبه، لا أن يظل يتنقل بين المؤسسات إلى أن يجد نفسه في الشارع.

كما أن رجل السلطة، بحكم موقعه، مطالب بأن يكون قريباً من المواطنين، وأن يعرف تفاصيل المجالات التي تقع تحت نفوذه، وأن يلتقط إشارات الاحتقان قبل أن تتحول إلى أزمة. فالقوة الحقيقية للإدارة الترابية لا تقاس بعدد الاحتجاجات التي تستطيع تدبيرها، وإنما بقدرتها على منع تراكم أسبابها بالحوار والقرب والتواصل.

وإذا كانت خطابات جلالة الملك محمد السادس قد أكدت مراراً على الإدارة القريبة من المواطن، وعلى ضرورة تحسين أداء المرفق العمومي وربط المسؤولية بالمحاسبة، فإن هذه التوجيهات تضع رجال السلطة أمام مسؤولية كبيرة في جعل القرب من المواطن ممارسة يومية وليست مجرد شعار.

ومن حق ساكنة دائرة جرسيف أن تتساءل اليوم: هل يتم الاستماع إليها بما يكفي؟ هل تتم معالجة الملفات في بدايتها؟ وهل هناك تواصل فعلي مع المواطنين قبل أن تتحول المطالب إلى احتجاجات أمام العمالة أو مسيرات نحو العاصمة؟

إن دائرة جرسيف تحتاج إلى تقييم هادئ وصريح لطريقة تدبيرها للملفات المحلية، وإلى مزيد من الحضور الميداني والتواصل المباشر مع الساكنة، لأن المواطن لا يريد بالضرورة المستحيل؛ يريد فقط أن يجد مسؤولاً يسمعه، وإدارة تجيبه، وملفاً تتم متابعته، وقراراً واضحاً.

والسؤال الذي يبقى مطروحاً على دائرة جرسيف اليوم ليس: كيف نتعامل مع الاحتجاج بعد وقوعه؟ بل: لماذا وصل المواطن أصلاً إلى الاحتجاج؟