الوالي الزاز -گود- العيون//

[email protected]

دعا رئيس الحكومة الإسبانية، بيدرو سانشيث، اليوم الاثنين، لإجراء انتخابات عامة مبكرة بتاريخ 29 نونبر 2026، وذلك نتيجة لعدم التوافق وعدم قدرة الحكومة على مواجهة الأغلبية التي يحظى بها حزب الشعب في البرلمان وعرقلته لعدد من المراسيم التي أقرها مجلس الوزراء الإسباني من ضمنها مرسومان يتعلقان بمعالجة أزمة السكن في إسبانيا.

وبعيدا عن الأزمة الداخلية الإسبانية، يترقب الشارع المغربي الانتخابات البرلمانية الإسبانية والحكومة المقبلة ومكوناتها، وذلك لما يمكن أن تحمله من انعاكاسات على العلاقات بين الرباط ومدريد والدينامية التي تشهدها والموافق بخصوص نزاع الصحراء.

تفوق لليمين في استطلاعات الرأي

تشير أغلب التوقعات الحالية بالشارع السياسي الإسباني لتفوق طفيف لليمين الذي يقوده حزب الشعب وحزب “فوكس” المتطرفين في مواجهة أحزاب اليسار بقيادة حزب العمال الاشتراكي وإئتلاف سومار وغيرهم، إذ شكل ملف الهجرة حجز الزاوية في مخيل الشارع الإسباني لتكوين موقف بخصوص الأداء الحكومي.

وخسر الحزب العمالي الاشتراكي بقيادة بيدرو سانشيث نقاطا عديدة في مواجهة الحزب الشعبي، الذي تمكن من تحويل أزمة تدفق المهاجرين غير النظاميين نحو سبتة في يوليوز الماضي إلى محطة لمحاكمة الحكومة الحالية وتأجيج الشارع عليه وتطويقها، دون التغافل عن استعماله للمغرب في كل محطة كمسؤول عن الأزمة وربطه ببيدرو سانشيث الذي بات يتهم بالخيانة، فضلا عن تدويل ملفات الفساد المرتبطة بالقياديين الاشتراكيبن وزوجة بيدرو سانشيث، بيگونيا گوميز، والتلويح بملف التجسس “بيگاسوس” الذي طال عدد من الوزراء وجرى اتهام المملكة المغربية فيه.

وتشير التحليلات السياسية إلى بروز اليمين ممثلا بالحزب الشعبي واليمين المتطرف ممثلا لحزب “فوكس” كمعوض واضح للحكومة الاشتراكية الحالية، إذ باتت الطريق معبدة أمامه لتشكيل الحكومة المقبلة وتحقيق الأغلبية بالمؤسسات التشريعية التي تتفرق فيها حاليا.

حكومة يمينية إسبانية.. ماذا عن الموقف من المغرب ونزاع الصحراء

يتخوف المشهد المغربي بشكل واضح من فوز اليمين الإسباني المفترض في الانتخابات البرلمانية المقبلة وتشكيله للحكومة الإسبانية، وذلك تبعا للهالة الإعلامية المحيطة بتحركات حزب الشعب الإسباني وركوبه على موجة الهجرة غير الشرعية نحو سبتة لتحقيق مآربه الانتخابية وإضعاف حكومة اليسار الحالية، بيد أن الواقع يشير لشيء آخر تمام وإن كانت الحالة الإسبانية خاصة.

منذ تولي الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، لزمام الأمور في الولايات المتحدة الأمريكية، أضحى اليمين على مستوى العالم ماضٍ في تفوق تام على اليسار، وهو ما يستدل به على حالة كل من كولومبيا والبيرو اللتان كانتا قلعتان لليسار في أمريكا اللاتينية، وألمانيا في أوروبا مؤخرا، وهي الحكومات التي حسّنت من علاقاتها مع المغرب وجعلت من الاعتراف بمغربية الصحراء موقفا لها.

وبالتالي فإن التوجس من موقف إسباني جديد من المغرب ووحدته الترابية، غير منطقي بالنظر لجعل اليمين دونالد ترامب وسياساته قدوة لها وإطارا عاما لتشكيل المواقف المعنية بسياساتها الخارجية، وعدم تأثر علاقات المغرب بتلك الدول إلا إيجابيا، وهو ما يمكن إسقاطه على الحالة الإسبانية القريبة من التصور الأمريكي اللاتيني.

وبالإضافة لما سبق فاعتماد موقف إسباني جديد من نزاع الصحراء يبدو معقدا بل ومستحيلا بالنسبة للحكومة الجديدة، وذلك لكونه مبني على اتفاقيات وخارطة طريق وقع عليها الجانبان سنة 2021 منشورة بالجريدة الرسمية الإسبانية، وصِبغتها الالتزام الجدي بها بعيدا عن تلون الحكومات أو الأغلبية الحكومية.

اليمين في إسبانيا.. ورقة الصحراء مطية لكسب التعاطف في البرامج الانتخابية

ظل نزاع الصحراء والموقف منه محل تداول في الأوساط السياسية الإسبانية طيلة العقود الماضية، حيث حوّلت الأحزاب السياسية سواء منها اليمين أو اليسار النزاع إلى مطية لكسب ود المشهد الإسباني والفوز بصوته، وذلك بالنظر للتعاطف الذي كانت تحظى به البوليساريو في إسبانيا.

تلويح الأحزاب السياسية الإسبانية بنزاع الصحراء انطلاقا من خطاب المظلومية في البرامج الانتخابية واجهته نفس الأحزاب بالتغاضي عن الملف وخلع عباءة “الدفاع عن مصالح الصحراويين” بمجرد الوصول إلى الحكم، ولا أدل على ذلك من الحزب العمالي الاشتراكي نفسه الذي كان إلى وقت قريب يدعم تقرير المصير قبل أن يتحول لاعتماد موقف تاريخي غير مسبوق طيلة خمسة عقود من المزاعم بدعم مبادرة الحكم الذاتي.

والأكثر من ذلك هو تأكيد قيادات في البوليساريو على مدى الخمس سنوات الماضية عدم انتظارها شيئا من الحكومات الإسبانية فيما بخص نزاع الصحراء، والاكتفاء بمطالبتها بتحمل “مسؤوليتها التاريخية” فقط.

اليمين الإسباني.. المغرب وإسبانيا شريكان حتميان والتعايش لا بد منه

بصفة عامة وبعيدا عن الحكومة الإسبانية وما إذا فاز اليمين في اقتراع 29 نونبر القادم، إلا أن تحكيم العقل والمنطق يقول إن المملكة المغربية وإسبانيا شريكان إستراتيجيان سياسيا وإقتصاديا وتجاريا وأمنيا وثقافيا، وهو المبدأ الذي يجب على اليمين بقيادة حزب الشعب اعتناقه وتعليق يافطة “المغرب شريك لا مفر منه”.

وبالتالي فإن إضاعة الوقت في محاولة جس النبض والسعي للترويج لبناء صورة جديدة لإسبانيا لدى الداخل الإسباني تسبب اليمين تضررها سلفا بتسويق الانهيار أمام المغرب، قد يؤثر على الروابط البلدين ويُعطل المصالح المشتركة للبلدين لاسيما تنظيم كأس العالم 2030، وملفات أمنية أهم.

محاولات اليمين المنتظرة لإعادة بناء صورة جديدة لإسبانيا في مواجهة المغرب بعد ترويجه لضعفها خلال فترة سانشيث، قد تعرقل الانفتاح الحاصل، بيد أن الحضور الأمريكي وحتى الإسرائيلي واستفادة المغرب منهما قد يضع حدا لتلك المساعي، لاسيما وأن اليمين في حاجة ماسة لتحقيق تقارب يتجاوز الخلافات التي تسببت فيها حكومة بيدرو سانشيث.

والأكثر من الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، فإن المملكة المغربية تمتلك من الأوراق ما قد يُخضع الحكومات الإسبانية بشتى تلاوينها السياسية، بدءا من ملف التعاون الأمني ومكافحة التهريب الدولي والإرهاب، وصولا حتى إلى إحياء ملف سبتة ومليلية وتوجيهه لمستويات أخرى قد تضرب الاستقرار الإسباني.

لايبدو اليمين الإسباني بقيادة حزب الشعب سيكون حريصا على فرملة العلاقات بين الرباط ومدريد، لاسيما وأن تجربته في الحكم بقيادة خوسي ماريا أثنار بين سنتي 1996 و2004 كانت لها تداعيات كبيرة على العلاقات بين البلدين وإسبانيا خاصة، إذ حرك خلالها المغرب عدة أوراق من ضمنها ورقة ميناء طنجة ميد سنة 2002 على البحر الأبيض المتوسط دون عن الواجهة الأطلسية بالتزامن وأزمة جزر ليلى، والذي اعتبرته الأوساط الإسبانية تهديدا لاقتصادها وامتدادها التجاري بحريا، وتجاوز ذلك للضغط فيما بخص الاتفاقيات في مجال الصيد البحري وتراجع الاستثمارات الإسبانية في المغرب وغيرها.