مقر "گود" في العيون.. البديل المؤسساتي لفك "بلوكاج" مقرات الأحزاب .
كود – عثمان الشرقي//
يبدو أن أحزابنا السياسية، بعد أن جربت كل أنواع البلاغات والتحالفات والضرب تحت الحزام، اكتشفت فجأة “فقه المقرات”، وصار الانتقال لمقر حزب آخر، يتطلب وضوءا سياسيا كبيرا، وصك غفران يثبت أن الزائر لم ينبهر بنوع الصباغة على الجدران، ولم تغوه فخامة الكراسي في بهو الاستقبال.
ها هو الأستاذ عبد الإله بنكيران، بروحانيته المعهودة وبثه المباشر الذي لا يخطئ ميعاده، يقرر أن مقر حزب “الأصالة والمعاصرة” ليس بالبقعة المباركة التي تستحق أن تطأها أقدام وفد العدالة والتنمية.
فالرجل، الذي أمضى سنوات في معارك “التحكم” والدفاع عن الديمقراطية، يرى اليوم أن كبرياء المعارضة الطاهرة يبدأ من العتبة، كأن لسان حاله يقول: “نحن في المعارضة يا سيدتي رئيسة الحكومة المعينة والمعارض الحقيقي لا يشرب القهوة في فناجين الخصوم، ولا يجلس على أرائكهم، ولا تصيبه عدوى السلطة، ولا يعلق به شيء من غبار الجرار”.
ولأن العدوى السياسية سريعة الانتشار في تجمعاتنا، لم يتأخر “الرفاق” في تحالف اليسار وفيدراليته الديمقراطية عن الركب، فاليسار الذي قاطع الانتخابات تارة، وقاطع الحكومات تارة أخرى، وجد نفسه اليوم مجبرا على مقاطعة المقرات الحزبية حيث أصدر الرفاق بلاغا بنبرة ماركسية لينينية يعلنون فيه أنهم لن ينزلوا ضيوفا على حزب الأصالة والمعاصرة، فالمنطق الرفاقي الصارم يقتضي ألا تلتقي “البروليتاريا والطبقات الكادحة” مع “البورجوازية المعينة” في صالونها الخاص.
المشاورات إذن يجب أن تتم في مكان “محايد ومؤسساتي”، ربما في حديقة عامة، أو في محطة قطار، أو في بار أو ملهى ليلي، حيث يمكن للحداثيين أن يتحدثون عن “المؤسسات” دون أن الشعور بـ”عقدة النقص” أمام تأثيث المقررات.
وبما أن الجميع يرفض الذهاب إلى مقر البام والجميع يخشى على عذريته السياسية من “شبهة” الزيارة والسيدة فاطمة الزهراء المنصوري تجلس في مكتبها وحيدة، محاطة بالملفات وبأوراق المشاورات، وتتساءل بكل تأكيد: “هل أنا رئيسة حكومة معينة، أم أنني أدير دار مي الغولة التي يخشى الجميع الاقتراب منها؟
وأمام هذا العائق الذي يحول دون أن نحتقل بتعيين أول رئيسة للحكومة في تاريخ المغرب الحديث، يبقى الملاذ الوحيد المتبقي للجميع هو مقر موقع “كود” في العيون، هناك بعيدا عن أعين الرباط المتربصة وضغط صحافتها الخانق، تسقط الحرمة السياسية، فمقر الجريدة مشرع الأبواب أمام كل التيارات الفكرية والمتناقضات السياسية، حيث يجد “الرفيق” و”الملتحي” و”الليبرالي” أنفسهم يجلسون جنبا إلى جنب دون حزازات أو حساسيات.
وفي هذا الفضاء المتحرر، تذوب الفوارق الإيديولوجية أمام ثلاجة المقر العجيبة، ثلاجة ديمقراطية بامتياز، لا تصنف البشر، بل تكتفي بالاستجابة لطلب الزبون: حيث لدينا “البيرة” الباردة للحداثيين والراغبين في غسل هموم السياسة، وإلى جانبها مباشرة زجاجات “بدون كحول” محاطة بعناية فائقة، احتراما لـ”ورع” المحافظين وتفادياً لشبهة خدش الحياء الحزبي.
فطوبى لسياسيينا بـ”طهارة مقراتهم”، وهنيئا للشعب المغربي بهذه المعارك الفكرية العميقة التي تدور حول… عتبة الباب!