أكد وكيل الملك لدى المحكمة الابتدائية بتنغير، إبراهيم عنترة، أن التحرش الجنسي في الوسط المدرسي، متى توافرت في الأفعال المرتكبة العناصر القانونية للجريمة، لا يمكن التعامل معه باعتباره مجرد سلوك عابر أو واقعة تأديبية داخل المؤسسة التعليمية، مشددا على ضرورة تفعيل المقتضيات القانونية ذات الصلة، كلما كانت الأفعال المرتكبة تشكل جريمة يعاقب عليها القانون.

وأوضح عنترة، خلال لقاء حول “مكافحة جريمة التحرش الجنسي في الوسط المدرسي ودور النيابة العامة في التصدي لها”، اليوم الثلاثاء بتنغير، أن خطورة هذه الأفعال تتزايد عندما يكون الضحية طفلا أو قاصرا، بالنظر إلى هشاشته وحاجته إلى حماية خاصة، فضلا عن الآثار التي قد تتركها مثل هذه التجارب على مساره النفسي والتربوي والاجتماعي.

وشدد وكيل الملك على أن التصدي للتحرش الجنسي في الوسط المدرسي يقتضي اعتماد مقاربة متكاملة تجمع بين الوقاية والتوعية والرصد المبكر والتبليغ والحماية والتكفل والمواكبة النفسية والاجتماعية، إلى جانب التفعيل الصارم للقانون متى ثبت ارتكاب أفعال إجرامية.

وأشار إلى أن النيابة العامة تضطلع بدور أساسي في هذه المنظومة، في حدود الاختصاصات التي خولها لها القانون، مبرزا أن هذا الدور يبرز بشكل خاص عند التوصل بشكايات أو تبليغات تتعلق بأفعال قد تشكل تحرشا أو اعتداء ذا طبيعة جنسية.

وأكد أن التعامل مع هذه الشكايات والتبليغات يقتضي الجدية والسرعة اللازمتين، واتخاذ الإجراءات القانونية المناسبة، والإشراف على الأبحاث القضائية وفقا للقانون، مع مراعاة خصوصية الضحية، ولا سيما عندما يتعلق الأمر بطفل.

كما شدد عنترة على ضرورة حماية الضحية من إعادة الإيذاء أو الوصم، واحترام سرية المعطيات، وتوفير الظروف الملائمة للاستماع إليها، بما يحفظ كرامتها ومصلحتها الفضلى، مؤكدا أن دور النيابة العامة لا ينحصر في المرحلة القضائية، وإنما يشمل أيضا تعزيز آليات التنسيق والتواصل مع مختلف المتدخلين للتعامل المبكر والفعال مع مظاهر العنف والتحرش داخل الوسط المدرسي.

وفي هذا السياق، أبرز المسؤول القضائي أن المؤسسة التعليمية تحتل موقعا محوريا في منظومة الوقاية، باعتبارها المجال الذي يقضي فيه الطفل جزءا مهما من حياته اليومية، داعيا الأطر الإدارية والتربوية إلى اليقظة تجاه السلوكيات والممارسات التي قد تكشف عن تعرض أحد التلاميذ للعنف أو التحرش أو الاستغلال، والتعامل مع المؤشرات المقلقة وفق القواعد والمساطر المعمول بها.

وحذر من التساهل مع الوقائع الخطيرة أو محاولة معالجتها بعيدا عن الجهات المختصة، متى كانت طبيعتها تستوجب تدخلا قضائيا، مبرزا في المقابل أهمية دور الأسرة في الإنصات إلى الطفل وملاحظة التغيرات المفاجئة في سلوكه وتشجيعه على الحديث عما يزعجه أو يخيفه، بما يساهم في الكشف المبكر عن حالات العنف أو التحرش.

كما دعا إلى تعزيز التنسيق بين المصالح الأمنية والقضائية والصحية والاجتماعية، بما يضمن للضحايا مسارا متكاملا للحماية والتكفل، ويحول دون تشتت التدخلات أو تكرار الاستماع إلى الطفل بشكل قد يزيد من معاناته النفسية.

وأكد وكيل الملك أن مكافحة التحرش الجنسي في الوسط المدرسي تستوجب أيضا الاستثمار في الوقاية والتوعية القانونية، مشيرا إلى ضرورة تمكين الأطفال، بأسلوب يتناسب مع سنهم، من معرفة حقوقهم المرتبطة بأجسادهم وخصوصيتهم وكرامتهم، وتعريفهم بحقهم في رفض السلوكيات غير المقبولة واللجوء إلى شخص بالغ موثوق به عند التعرض لسلوك يثير الخوف أو الانزعاج.

وشدد على أهمية تكوين الأطر التربوية والإدارية بشأن المؤشرات التي قد تدل على تعرض طفل للعنف أو التحرش، وكيفية التعامل معها دون إصدار أحكام مسبقة أو تعريض الضحية لضغوط إضافية، مبرزا في الوقت ذاته أهمية اللجان المحلية للتكفل بالنساء والأطفال ضحايا العنف باعتبارها فضاء للتنسيق والتشاور وتبادل الخبرات.

وقال عنترة إن نجاح مواجهة هذه الظاهرة “لا يقاس فقط بعدد الأبحاث القضائية أو المتابعات التي يتم تحريكها”، وإنما أيضا بمدى القدرة على منع وقوع الأفعال وتشجيع الضحايا على التبليغ وضمان الحماية لهم وتسريع التكفل بهم وتوفير بيئة مدرسية آمنة.

ودعا إلى الانتقال من منطق التدخل بعد وقوع الفعل إلى منطق الوقاية الاستباقية، من خلال تكثيف التحسيس والتوعية وتعزيز قنوات التبليغ وتطوير التنسيق بين المؤسسات وتبادل الممارسات الجيدة وتقييم الصعوبات التي تواجه مختلف المتدخلين على أرض الواقع.

وأكد في المقابل أن التصدي لهذه الظاهرة يتطلب تحقيق التوازن بين حماية الضحية وضمان حقوقها، واحترام الضمانات القانونية المقررة لجميع الأطراف، بما في ذلك قرينة البراءة وحقوق الدفاع، في إطار سيادة القانون.

وأكد وكيل الملك على أن حماية الأطفال من التحرش والعنف مسؤولية مشتركة بين النيابة العامة والمؤسسة القضائية والشرطة القضائية والمؤسسات التعليمية والسلطات والمصالح الاجتماعية والصحية والأسرة والمجتمع المدني، داعيا إلى تعزيز العمل المشترك من أجل ضمان سلامة الأطفال وصون كرامتهم ومصلحتهم الفضلى، وبلورة توصيات عملية قابلة للتنفيذ على المستوى المحلي.