قال محمد حمداوي القيادي بجماعة “العدل والإحسان” إنه بمجرد إعلان نتائج انتخابات 23 شتنبر 2026، انصب الاهتمام كالعادة على ترتيب الأحزاب وعدد المقاعد ونسب المشاركة، غير أن هذه الأرقام تحجب سؤالا أعمق يتجدد مع كل مسلسل انتخابي: هل تمنح صناديق الاقتراع المتصدرين سلطة حقيقية في القرار؟ وهل يستطيع المواطن أن يحاسب من صوت له على قرارات لا يملكها أصلا؟.
وأوضح حمداوي في مقال على موقع الجماعة الإلكتروني، أن انتخابات 23 شتنبر 2026 أفرزت خريطة حزبية جديدة، غير أن السؤال الجوهري المتجدد لا يكمن في من تصدر هذه الانتخابات؟ بل ما حجم السلطة الفعلية التي يملكها من تصدرها؟ لأن الديمقراطية لا تكتمل بمجرد وجود صندوق الاقتراع، فالديمقراطية الحقيقية تعني أن يختار المواطن بحرية من يحكمه، وأن تكون لمن اختاره سلطة فعلية في القرار، وأن يستطيع بعد ذلك محاسبته واستبداله عبر انتخابات نزيهة.
وأشار أن الدستور منح للملك اختصاصات تنفيذية مركزية واسعة؛ فهو يرأس المجلس الوزاري الذي يتداول في التوجهات الاستراتيجية لسياسة الدولة وعدد من مشاريع القوانين والتعيينات الاستراتيجية، كما يرأس السلطة القضائية والمجلس العلمي الأعلى والمجلس الأعلى للأمن، ويملك سلطة حل البرلمان بغرفتيه، ويتصرف حصريا في كثير مما يهم العلاقات الخارجية، فكيف تستقيم المحاسبة الديمقراطية إذا كان الناخب يحاسب حكومة على نتائج قرارات لا تنحصر في مجال سلطتها؟.
وأكد حمداوي أن المطلوب ليس مجرد انتخابات تتداول فيها الأحزاب على المقاعد، بل ديمقراطية حقيقية تتمثل في سلطة فعلية يختارها الشعب، وفصل حقيقي للسلط، وقضاء مستقل، وحريات مضمونة، وانتخابات نزيهة لا يفسدها المال أو النفوذ، نريد أن ننتخب من يملك القرار حتى نستطيع محاسبته وتغييره، أما أن ننتخب من لا يملك القرار الكامل ثم نحاسبه عليه، فذلك لا يحقق جوهر الديمقراطية.
وسجل أن السؤال المشروع يبقى أين تنتهي سلطة الحكومة المنتخبة، وأين تبدأ السلطة الفعلية؟ فإذا كانت الحكومة مطالبة أمام المواطنين بنتائج السياسات العمومية، بينما توجد القرارات الاستراتيجية الأساسية خارج مجالها الحصري، فإن المساءلة الديمقراطية تفقد معناها.
وشدد أنه لا ينبغي أن يكون البرلمان مجرد مؤسسة شكلية، فالبرلمان الديمقراطي هو الذي يشرع ويراقب السلطة التنفيذية ويؤثر فعليا في السياسات العامة، فإذا كان المواطن عاجزا عن ربط القرار السياسي بصوته ربطا واضحا، فإن معنى التمثيلية يحتاج إلى مراجعة عميقة.كما أن استقلال القضاء ليس ترفا ديمقراطيا، بل هو شرط أساسي لتحقيق العدالة، وهو الضمانة الأولى لحقوق المواطنين وحرياتهم، والحَكَم الذي يفترض أن يقف على مسافة واحدة من الجميع، حاكمين ومحكومين، فلا ديمقراطية بدون عدالة، ولا عدالة بدون قضاء مستقل.
واعتبر حمداوي أن الرقم الأبرز في هذه الانتخابات ليس عدد المقاعد فحسب، بل حجم العزوف عنها، فنسبة المشاركة الوطنية الرسمية لم تتجاوز 38.02%، مقابل 50.86% سنة 2021، علما أن هذه النسبة تحتسب من عدد المسجلين فقط، في حين يقتضي المنطق احتسابها من عدد من يحق لهم التصويت، والذين يتجاوز عددهم 27 مليونا، وعلى هذا الأساس تكون نسبة المقاطعين قد تجاوزت 77%، وهذا الرقم، مهما اختلفت أسباب العزوف، يستحق قراءة سياسية عميقة بدل الاكتفاء بالاحتفال بالنتائج المعلنة.
وأبرز أن المشكلة ليست في استبدال حزب بحزب، بل في تغيير قواعد العملية السياسية ذاتها، فالمطلوب ليس برلمانا أقوى في الشكل فقط، بل سلطة منتخبة حقيقية، وفصلا فعليا للسلط، وقضاء مستقلا، وحريات مضمونة، وانتخابات تحمي إرادة المواطن من المال والنفوذ والتلاعب، فالديمقراطية ليست أن نختار من لا يملك القرار ثم نحاسبه على ما لا يملك، بل أن تختار بحرية من يحكمك، وتمنحه سلطة حقيقية، ثم تحاسبه على أدائه، وتستطيع تغييره بالوسائل الديمقراطية، عندها فقط يصبح لصوت المواطن معنى، وللبرلمان وزن، وللحكومة مسؤولية، وللانتخابات جدوى حقيقية.
المصدر:
لكم