رحل، أمس الخميس، عن دنيا الناس الأستاذ الجامعي والخبير الاقتصادي عبد العالي بنعمور، عن عمر ناهز 85 سنة، تاركاً وراءه مساراً امتد لعقود جمع بين البحث الأكاديمي وتأسيس المؤسسات والدفاع الصلب عن استقلالية الهيئات الدستورية بصوت مرتفع، وفي مقدمتها مجلس المنافسة الذي ترأسه طيلة عقد من الزمن.
هذه المرحلة الجامعية شكّلت القاعدة التي انطلق منها الأكاديمي الراحل لاحقاً نحو العمل المؤسساتي، حين تولى إدارة المعهد العالي للتجارة وإدارة المقاولات (ISCAE)، في فترةٍ كان المغرب بصدد بناء منظومة حديثة لتكوين الكفاءات التدبيرية والأطر المختصة، مخلّفاً بصمة لا يمحوها الزمن بسهولة في ذاكرة من عاصَرُوه من أجيال الطلبة والخريجين والإداريين؛ وتُوّج هذا المسار سنة 1988 بتأسيسه “HEM”، التي تحولت على مدى نحو أربعة عقود إلى واحدة من أبرز مؤسسات التعليم العالي الخاص بالمغرب، ولا سيما في مجال علوم التدبير والاقتصاد والتسيير.
عُيّن بنعمور سنة 2008 على رأس “مجلس المنافسة”، ليرتبط اسمه طيلة سنوات ترؤسه للمؤسسة بدفاع صريح عن استقلاليتها الدستورية، خصوصاً في وجه محاولات إضعاف صلاحياتها.
ومن مواقف الراحل البارزة حوارُه مع جريدة هسبريس الإلكترونية سنة 2018، تزامناً مع حملة مقاطعة شعبية واسعة لعدد من المنتجات -حينذاك- حيث لم يتردد في الكشف عن أن جموداً استمر سنوات في تعيين أعضاء المجلس أضرّ بسمعة المغرب أمام الشركات متعددة الجنسيات، محذراً من أن غياب “دركي” ينظم الأسواق يفتح الباب أمام كل التصرفات المنافية للمنافسة.
وحين سُئل عن الجهات التي تقف وراء هذا التعطيل ألمح المتحدث بوضوح إلى “وجود لوبيات اقتصادية ترفض قيام سلطة رقابية فعلية”، مستحضراً تحذيرات زملائه في مجلس المنافسة الألماني من أن هذه المجالس تصطدم دائماً، في بداياتها، بمقاومة شديدة من أصحاب المصالح المتشابكة.
ولم يتراجع الرجل عن هذا الخط حتى بعد مغادرته المنصب؛ ففي ندوة نظمتها “الجامعة المواطنة” لمعهد HEM سنة 2021 اختصَر جوهر التحدي الذي يواجه المؤسسة في سؤال حاسم: “هل بإمكان المجلس أن يحارب ويناضل؟ هذا هو السؤال”، مؤكداً أن مستقبل مجلس المنافسة “رهين بشجاعة رئيسه وأعضائه في مواجهة ضغط اللوبيات الاقتصادية”، في اقتصاد يقوم – بحسبه – “بنسبة كبيرة منه على منطق الاحتكار وهيمنة عدد محدود من الفاعلين”.
لم يقتصر إسهام الراحل بنعمور على الجامعة والمؤسسات الاقتصادية، إذ كان قيادياً في حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، ونائبا برلمانياً عن الدار البيضاء بين 1976 و1981، إضافة إلى عضويته في المجلس الجماعي للمدينة ذاتها؛ كما انخرط في العمل الحقوقي والمدني، حيث شغل عضوية الأمانة العامة للمجلس الاستشاري لحقوق الإنسان بين 2007 و2011، وشارك سنة 2004 في تأسيس “جمعية بدائل”، إلى جانب عضويته في مجلس إدارة بنك المغرب وهيئات وطنية أخرى معنية بالتفكير الاقتصادي والإصلاح التربوي.
يأتي رحيل بنعمور في لحظة مفصلية بالنسبة للمؤسسة التي أسّسها ورآها تترعرع أمام ناظرَيْه، ومن جميل الصدف أنه أُعلن قبل أيام قليلة من وفاته عن حصول “الجامعة الدولية HEM” حالياً على ترخيصها الرسمي لتنطلق بصيغتها الجديدة مع الموسم الجامعي 2026-2027، بشراكة مع المجموعة الكندية “LCI Education”، في ما يبدو استمراراً لحلم المؤسِّس: بناء صرح تعليمي مغربي بمعايير دولية.
وبهذا الرحيل يفقد المغرب أحد الأصوات الأكاديمية التي جمعت، على مدى أكثر من نصف قرن، بين صرامة الباحث وجرأة المدافع عن حكامة اقتصادية ومؤسساتية واضحة القواعد، في بيئة اقتصادية تحتاج إلى إعمال قواعد المنافسة الشريفة لضمان سير شفافية الأسواق.
المصدر:
هسبريس