آخر الأخبار

صمت ثقيل في مقر “الأحرار”.. ليلة الانتظار الطويل تتوج بمعطيات أولية تؤشر على خسارة كبيرة

شارك

كان الصمت هو أول ما يستقبل الداخل إلى المقر المركزي لحزب التجمع الوطني للأحرار بالرباط في الساعات الأولى من ليلة إعلان نتائج انتخابات 23 شتنبر؛ لا شاشات عملاقة تتدفق عليها أرقام، ولا قيادات حزبية تتقاطر أمام الصحافيين، ولا هتافات تشبه تلك التي ترافق عادة ليلة انتخابية ينتظر فيها حزب يقود الحكومة أن يحتفل بما حققه في صناديق الاقتراع. فقط فراغ ثقيل، وصحافيون ينتظرون خبراً لا يأتي، وهواتف محمولة تبحث عن أرقام تأتي من الدوائر الانتخابية أسرع مما يأتي بها الحزب نفسه.

بعد نحو ساعتين من إغلاق مكاتب التصويت، كان المشهد داخل المقر المركزي للأحرار مختلفاً عما يمكن توقعه من الحزب الذي تصدر انتخابات 8 شتنبر 2021 وتولى قيادة الحكومة بعد ذلك. بدا المقر، في تلك اللحظات، كأنه ينتظر النتيجة أكثر مما يستعد لإعلانها. والوجوه القيادية التي اعتاد الصحافيون رؤيتها في مثل هذه المناسبات لم تكن حاضرة، بينما ظل السؤال معلقاً في فضاء المقر: ماذا تقول صناديق الاقتراع؟

بدأت النتائج الأولية المتداولة من بعض الدوائر ترسم مشهداً انتخابياً لا يمنح التجمع الوطني للأحرار راحة كبيرة في الساعات الأولى. وفي الرباط، إحدى أكثر الدوائر دلالة سياسية، برز حزب الأصالة والمعاصرة وحزب العدالة والتنمية في مقدمة النتائج المؤقتة في عدد من الدوائر؛ إذ أظهرت معطيات أولية في دائرة الرباط المحيط، بعد فرز 68 في المائة من الأصوات، تقدم الأصالة والمعاصرة بـ7386 صوتاً، متبوعاً بالعدالة والتنمية بـ5868 صوتاً، فيما جاء تحالف اليسار ثالثاً والاستقلال رابعاً.

وفي الوقت الذي كانت فيه هذه الأرقام تنتشر، كان مقر الأحرار لا يزال غارقاً في الانتظار. ولم يكن الصمت مقتصراً على غياب النتائج؛ بل امتد إلى الخطاب السياسي نفسه. لم تخرج من قيادة الحزب، في تلك الساعات الأولى، قراءة للنتائج ولا تعليق سياسي على اتجاهاتها.

شوهدت وزيرة الطاقة السابقة أمينة بنخضرا داخل المقر قبيل وصول رئيس الحزب محمد شوكي، قبل أن تغادر مسرعة، فيما لم يظهر في الواجهة القيادية للحزب، في تلك اللحظة، سوى شوكي الذي وصل إلى المقر وأدلى بتصريح مقتضب للصحافيين.

كان التصريح أقرب إلى بيان انتظار منه إلى خطاب ليلة انتخابية. قال شوكي إن النتائج الأولية تشير إلى نجاح عدد مهم من مرشحي التجمع الوطني للأحرار في عدد من الدوائر، مؤكداً أن قيادة الحزب تتابع المعطيات التي تصلها، ثم انصرف.

لكن اللافت في حديث شوكي لم يكن فقط ما قاله، بل ما لم يقله. لم يقدم أرقاماً وطنية، ولم يكشف حصيلة للمقاعد التي يعتقد الحزب أنه حسمها، ولم يدخل في قراءة سياسية لمغزى النتائج، ولم يعلق على المعطيات التي كانت تتداولها وسائل الإعلام من الرباط وغيرها.

وهكذا تحول المقر المركزي للأحرار إلى مكان لانتظار الأرقام أكثر منه مكاناً للاحتفال. كل دقيقة كانت تضيف إلى ثقل الصمت، وكل نتيجة جزئية تأتي من الخارج كانت تعيد ترتيب الأسئلة في الداخل. هل يتعلق الأمر فقط بتأخر طبيعي في تجميع المعطيات؟ أم أن الخريطة الانتخابية بدأت فعلاً في التحول مقارنة بما عرفته انتخابات 2021؟

كان من الصعب، في تلك اللحظة، تقديم جواب نهائي. فالنتائج المتداولة كانت جزئية، والفرز لم يكن قد اكتمل في عدد كبير من الدوائر. لكن الرمزية السياسية للمشهد كانت واضحة: حزب تصدر انتخابات 2021 واحتل موقع الحزب القائد للحكومة يجد نفسه، في الساعات الأولى بعد إغلاق الصناديق، أمام ليلة انتخابية بلا أرقام حاسمة وبلا احتفال وبلا خطاب سياسي كبير.

وفي الخارج، كان المشهد الانتخابي يحمل رقماً آخر لا يقل دلالة: نسبة المشاركة الوطنية توقفت عند 38.02 في المائة، وفق وزارة الداخلية، مقابل نحو 50.18 في المائة في انتخابات 2021. أي أن الفارق بين الاستحقاقين بلغ أكثر من 12 نقطة مئوية.

يعني هذا أن المنافسة على 395 مقعداً في مجلس النواب جرت في انتخابات شارك فيها أقل من أربعة ناخبين من كل عشرة مسجلين تقريباً، بينما كانت انتخابات 2021 قد عرفت مشاركة تجاوزت نصف المسجلين.

وفي الجهة المقابلة، كان حزب العدالة والتنمية يعيش ليلة انتخابية مختلفة تماماً؛ فقد خرج أمينه العام عبد الإله بنكيران في بث مباشر عقب إغلاق مكاتب التصويت ليعلن أن المعطيات التي توصل بها حزبه من عدد من مكاتب التصويت تشير، بحسب قوله، إلى تصدر “البيجيدي” في عدد من الدوائر التي اكتمل فيها الفرز. لكنه لم يكتف بالحديث عن النتائج، بل فتح في الوقت نفسه ملف محاضر التصويت.

قال بنكيران إن ممثلي حزبه في عدد من مكاتب التصويت أبلغوه بأن رؤساء تلك المكاتب رفضوا تسليمهم محاضر النتائج، وإنه تواصل مرتين مع وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت بشأن الموضوع. كما أكد أن ممثلي الأحزاب يظلون داخل مكاتب التصويت لمتابعة العملية إلى نهايتها، وبعد انتهاء العد يفترض أن يتسلموا محاضر تتضمن نتائج المكتب، مضيفاً أنه توصل من وزير الداخلية بتأكيدات حول توجيهات تقضي بتسليم المحاضر.

وأضاف بنكيران أن بعض المسؤولين غير المكلفين مباشرة بمكاتب التصويت كانوا يتنقلون بين المكاتب ويأمرون رؤساءها بعدم تسليم المحاضر، محذراً من أن الامتناع عن التسليم قد تكون له تبعات قانونية، ومشيراً إلى وجود جهات تنشر نتائج غير موثوقة.

وفي المقابل، قالت وزارة الداخلية في بلاغها المتعلق بسير عملية الاقتراع إن الفرز والإحصاء انطلقا مباشرة بعد إغلاق مكاتب التصويت في مناخ إيجابي وبحضور ممثلي لوائح الترشيح، وإن محاضر العمليات الانتخابية تُنقل بعد إنجازها إلى المكاتب المركزية لاستكمال عملية إحصاء الأصوات.

وبين خطاب بنكيران وخطاب الداخلية، كان السباق على الأرقام لا يزال مفتوحاً. لا الحزب الذي يقود الحكومة كان قد أعلن حصيلته، ولا الحزب الذي تحدث عن تصدره في عدد من الدوائر كان يملك بعدُ نتيجة وطنية نهائية، فيما كانت وسائل الإعلام تنشر النتائج الجزئية من دائرة إلى أخرى.

في مقر الأحرار، يبدو الانتظار أكثر قسوة لأن الحزب لم يكن مجرد منافس انتخابي عادي؛ فمنذ 2021، أصبح التجمع الوطني للأحرار عنواناً للسلطة التنفيذية، وتحولت قياداته ووزراؤه إلى وجوه أساسية في المشهد الحكومي. ولذلك لم يكن السؤال في المقر المركزي هو فقط: كم مقعداً سيحصل عليه الحزب؟ بل كان السؤال الأوسع: هل ستسمح صناديق 23 شتنبر للأحرار بأن يواصلوا لعب الدور المركزي نفسه في الخريطة السياسية المقبلة؟ بيد أن هذه الأسئلة بقيت معلقة في الهواء.

لكم المصدر: لكم
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا