محامي من هيئة الدار البيضاء//
القانون 66.23 دخل حيز التنفيذ، ومادته 50 تمنع صراحة اتفاق المحامين فيما بينهم على التوقف الكلي عن تقديم المساعدة الواجبة للعدالة، سواء تعلق الأمر بالجلسات أو بالإجراءات. ومع ذلك يستمر التوقف ببلاغات جمعية مهنية. هنا لم نعد أمام مجرد نقاش حول مشروعية المطالب، بل أمام سؤال دولة القانون نفسها: هل يمكن لجمعية أن تجعل بلاغها، في الواقع، أقوى من قانون نافذ؟ وهل يكفي أن يسمى الأمر “قرارا مؤسساتيا” حتى يصبح واجب الطاعة؟
ثم لماذا لا تفتح الصحافة نقاشا جديا حول الحدود الجنائية الممكنة لبعض الممارسات المرافقة لهذا الوضع، دون استباق أي تكييف قضائي؟ الفصل 288 من القانون الجنائي يعاقب، بشروط محددة، من يحمل الغير على التوقف الجماعي عن العمل أو الاستمرار فيه باستعمال الإيذاء أو العنف أو التهديد أو وسائل التدليس متى توافرت الغاية التي حددها النص. فإذا كانت هناك فعلا ضغوط وتهديدات وترهيب في مواجهة من يريدون العمل، أليس من وظيفة الصحافة أن تسأل قانونيين مستقلين عن مدى انطباق هذا النص بدل الاكتفاء بنقل البلاغات؟ ولماذا لا يناقش أحد، مع التحفظ الواجب بشأن نطاقه الشخصي وشروطه، الفصل 234 الذي يتحدث عن الاتفاق على إجراءات ضد تنفيذ القوانين؟ لا أقول إن التكييف متحقق تلقائيا، بل أسأل لماذا لا يفتح النقاش القانوني أصلا.
والأهم: أين المواطن في كل هذا؟ أين المعتقل الذي ينتظر منذ أشهر أن تتم مؤازرته وأن يتحرك ملفه؟ أين المرأة أو الطفل الذي ينتظر نفقة؟ أين من تؤجل جلسته، أو يتعطل تنفيذ حكمه، أو تتوقف إجراءاته؟ كم عدد الجلسات التي تأخرت؟ كم عدد الملفات التي تراكمت؟ كم بلغت الكلفة الاجتماعية والاقتصادية والإنسانية لهذا التوقف؟ لماذا لا توجد دراسة أثر منشورة؟ لماذا لا تطلب الصحافة الأرقام بدل الشعارات؟
بل لماذا لا تسأل أولا رئاسة النيابة العامة: إلى متى يمكن أن يستمر وضع تظهر آثاره يوميا داخل المحاكم وعلى حرية العمل وحقوق المتقاضين دون تحريك ما يتيحه القانون من آليات عندما تتوافر شروطها؟ ثم المجلس الأعلى للسلطة القضائية: ماذا عن حسن سير العدالة وحقوق المتقاضين داخل فضاء قضائي يفترض أن تكون فيه سيادة القانون هي المرجع؟ ثم المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي: لماذا لا تكون هناك دراسة مستقلة للأثر الاجتماعي والاقتصادي والمؤسساتي لهذا الشلل؟ وبعد ذلك تأتي وزارة العدل، في حدود اختصاصاتها بعد استقلال السلطة القضائية، لتجيب عن مسؤوليتها في سياسة العدالة وإعداد التشريع وضمان الشروط الإدارية والمادية لخدمة قضائية جيدة، لا بوصفها سلطة على القضاء.
وأين التحقيق في أموال المتقاضين؟ بعد سنتين من التقاضي وتنفيذ حكم قضائي، يمكن أن تكون أموال المواطن قد وصلت إلى حسابات هيئة المحامين ثم تبقى مجمدة منذ يونيو لأن “الشيكات لم تعد توقع إلى أجل غير مسمى”. كيف تنظم الدولة مرورا إلزاميا أو عمليا لأموال ناتجة عن تنفيذ قضائي عبر هيئة مهنية دون ضمان استمرارية الصرف أو وجود جهة بديلة عند التوقف؟ أين توضع هذه الأموال خلال أشهر الانتظار؟ هل تنتج فوائد؟ لمن تؤول؟ ما الاقتطاعات التي تتم منها وعلى أي أساس؟ المواطن أدى الرسوم القضائية، وانتظر الحكم، ونفذه، ثم يجد نفسه مرة أخرى رهينة نزاع لا علاقة له به.
ثم هناك مشهد يكاد يلخص العبث كله: محامون يواصلون بعض الإجراءات ولكن بدون بذلتهم حتى لا يلفتوا الانتباه أو يتعرضوا للضغط. أي استقلال هذا الذي يجعل المحامي يخشى ارتداء رمز مهنته داخل المحكمة؟ عندما يمارس صاحب المهنة عمله متخفيا عن زملائه، يصبح المشهد للأسف أقرب إلى بعض المرشدين غير المرخص لهم في مدن فاس أو مراكش، يزاولون العمل لكنهم يتجنبون إظهار الصفة التي يفترض أن تثبت مهنيتهم. هذه ليست صورة مهنة “قوية ومستقلة”، بل علامة على أن الضغط الداخلي بلغ مستوى يستحق تحقيقا صحفيا بحد ذاته.
ثم إن اختيار يوم 7 أكتوبر وحده يستحق سؤالا بسيطا: القانون سيكون هو نفسه يوم 6 أكتوبر ويوم 7 أكتوبر. فإذا أصبح العمل ممكنا يوم 7 دون إلغاء القانون أو تغييره، فما الذي يجعل التوقف واجبا يوم 6؟ أليس هذا في حد ذاته دليلا على أن المانع الحقيقي ليس النص القانوني وإنما قرار تنظيمي صادر عن جمعية؟
وأخيرا، الأجهزة المهنية الحالية توجد في مرحلة انتقالية قبل تجديدها انتخابيا. لذلك من المشروع جدا أن تسأل الصحافة، دون اتهام أحد مسبقا، هل توجد أيضا حسابات سلطة داخلية وراء هذا التصعيد؟ من يدفع إلى أقصى درجات التشدد؟ من سيبقى بعد الانتخابات ليتحمل النتائج؟ ومن قد يبني موقعه الانتخابي القادم على تعبئة جيل شاب من المحامين، كثير منهم متدربون أو متعاونون، بينما يدفع المواطن الثمن؟ السؤال مشروع خصوصا عندما يبدأ المشهد في أخذ ملامح سياسة “من بعدي الطوفان”.
استقلال المحاماة ضروري، لكنه ضمانة للمواطن وليس سيادة للجسم المهني على المواطن أو على أعضائه. والمحامي المستقل فعلا يجب أن يكون مستقلا عن الدولة، نعم، ولكنه يجب أيضا أن يكون مستقلا عن نقيبه ومجلسه وجمعيته وضغط زملائه، وأن يبقى مثل الجميع خاضعا للقانون.
هذا ما أنتظره من الصحافة: أقل من البلاغات، وأكثر من التحقيق. اسألوا رئاسة النيابة العامة، والمجلس الأعلى للسلطة القضائية، والمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، والقضاة، والمتقاضين، والمعتقلين، والمحامين الذين يريدون العمل ولا يجرؤون على قول ذلك، ثم وزارة العدل في حدود اختصاصاتها. والسؤال المركزي يظل واحدا: من أعطى جمعية مهنية سلطة أن تقرر عمليا متى تطبق مهنة منظمة بالقانون هذا القانون ومتى تعطل أثره، ومن يحمي المواطن عندما تتحول هذه القوة الواقعية إلى عبء على حقه في العدالة؟
المصدر:
كود