أكدت دراسة حديثة، منشورة ضمن عدد شتنبر من مجلة “اتجاهات سياسية” الصادرة عن المركز الديمقراطي العربي بألمانيا، تحت عنوان “الدبلوماسية الدينية المغربية تجاه قضية القدس الشريف”، أن النموذج المغربي في التعاطي مع قضية القدس يهم تدويل هذه القضية على المستوى الدولي، ويمنح المملكة المغربية قدرة غير مباشرة في القضايا الدينية والحضارية.
وأوضحت الدراسة ذاتها، التي أعدها الدكتور نعمان عاطف عمرو من جامعة القدس المفتوحة بفلسطين، أن “السياسة الخارجية للمغرب تجاه القضية الفلسطينية لم تقتصر على البعد السياسي التقليدي فقط، بل اتسعت لتشمل أبعادا دينية وثقافية تعكس خصوصية المرجعية المغربية في التعامل مع القدس، ويتجلى ذلك من خلال دعم صمود المقدسيين عبر وكالة بيت مال القدس الشريف، التي تضطلع بأدوار تنموية وثقافية داخل المدينة المقدسة”.
وتابعت بأن “هذا التوجه ينعكس في مواقف المغرب داخل المنظمات الدولية الداعية إلى حماية القدس ومقدساتها، وتعزيز الحوار بين الأديان، ورفض سياسات تهويد المدينة”، مبرزة أن “الدبلوماسية الدينية تستند إلى الشرعية الدينية لمؤسسة إمارة المؤمنين، بما يتيح للمغرب توظيف الدين كأداة للتأثير والوساطة في القضايا الحضارية، وفي مقدمتها قضية القدس، بما يجسد تكامل الأبعاد الدينية والمؤسسية في صياغة السياسة الخارجية المغربية”.
وذكرت الدراسة أن “مؤسسة إمارة المؤمنين تعد إحدى الركائز البنيوية للنظام السياسي والديني المغربي، وتمثل المرجعية الأساسية للدبلوماسية الدينية في بعدها الخارجي. فهي لا تقتصر على تنظيم الحقل الديني داخليا، بل توفر للدولة شرعية رمزية وروحية تعزز حضورها في القضايا ذات البعد الديني، وعلى رأسها قضية القدس الشريف”، مشيرة إلى أن “هذه المؤسسة ترتبط بإرث سياسي وديني ممتد منذ الخلافة الإسلامية، حافظ المغرب على استمراريته من خلال المؤسسة الملكية مع إعادة تكييفه في إطار الدولة الحديثة”.
وأكدت أن “رئاسة المملكة المغربية للجنة القدس التابعة لمنظمة التعاون الإسلامي منذ عام 1975، تمثل أحد أبرز تجليات الدبلوماسية الدينية المغربية تجاه قضية القدس، وتعكس الاعتراف الإقليمي بدور المغرب في حماية المقدسات الإسلامية بفلسطين. كما تجسد تداخل القوة الناعمة مع الشرعية الدينية، بما يعزز قدرة المغرب على التأثير في الأجندة الدولية المتعلقة بالقدس عبر خطاب يجمع بين البعدين السياسي والرمزي”، مسجلة أن “هذه الرئاسة تستند إلى شرعية دينية ترتبط بإمارة المؤمنين، وشرعية سياسية نابعة من الدور الدولي للمغرب في ملف القدس، بما يعزز صورته كفاعل معتدل قادر على الوساطة والدفاع عن حماية المقدسات وتعزيز التعايش الديني”.
ولفت المصدر ذاته إلى أن “البعد الروحي والديني يشكل ركيزة أساسية في الدبلوماسية الدينية المغربية تجاه القدس؛ إذ يستند إلى الروابط الدينية والتاريخية بين المغرب والمدينة، ويوظف الدين بوصفه موردا استراتيجيا لتعزيز الشرعية والحضور الدولي في القضايا ذات البعد الحضاري. ويرتكز هذا التوجه على المرجعية الدينية للمؤسسة الملكية ممثلة في إمارة المؤمنين، بما يمنح الخطاب المغربي شرعية روحية تدعم مواقفه في حماية المقدسات وتعزز تأثيره الإقليمي والدولي”.
وسجلت الدراسة أن “المغرب يوظف هذا البعد لإبراز القدس باعتبارها مركزا روحيا وحضاريا، من خلال دبلوماسية روحية تستخدم الرموز الدينية لتعزيز الشرعية وبناء شبكات دعم دولية للقضية الفلسطينية. كما يعزز هذا التوجه صورة المغرب بوصفه حاميا للمقدسات وفاعلا معتدلا يدعم الحوار بين الأديان والثقافات عبر مشاركاته ومبادراته الدولية”.
وبينت أن “الخطاب المعتدل يُعد أحد الأدوات المركزية في الدبلوماسية الدينية المغربية؛ إذ يقدم مقاربة دينية متوازنة لقضية القدس الشريف تجمع بين الثوابت الشرعية والقيم الإنسانية، بما يتيح بناء أرضية للحوار الدولي ومواجهة الخطابات المتطرفة”، مضيفة أن “الخطاب المغربي يستند إلى مرجعية دينية قائمة على الاعتدال ورفض الغلو، مع إبراز التسامح والتعايش كمدخل للتعامل مع القضايا الدينية والسياسية المعقدة. كما يوظف لتعزيز مكانة المغرب الدولية عبر التوفيق بين المرجعية الدينية ومتطلبات النظام الدولي، خاصة في قضية القدس، من خلال التأكيد على حماية المقدسات والحقوق الدينية لجميع الأديان وفق الشرعية الدولية بعيدا عن الإقصاء أو التصعيد”.
وذكر الدكتور نعمان عاطف عمرو أن “الأبعاد السياسية والرمزية تعد من المكونات الأساسية في فهم الدبلوماسية الدينية المغربية تجاه القدس الشريف؛ إذ تقوم على تداخل الشرعية الدينية المستمدة من إمارة المؤمنين مع الشرعية السياسية المرتبطة بالموقع الجيو-سياسي للمغرب، حيث يتيح موقعه كجسر بين أوروبا وإفريقيا والعالم العربي تحويل هذه الشرعية إلى نفوذ سياسي ودبلوماسي في القضايا الإقليمية والدولية، بما ينتج نموذجا دبلوماسيا يوظف الرموز الدينية والسياسية لبناء خطاب يجمع بين البعد الأخلاقي والاستراتيجي”.
وشدد على أن “الحفاظ على حضور قضية القدس الشريف في المحافل الدولية يعد أحد محاور الدبلوماسية الدينية المغربية؛ إذ يعتمد المغرب مقاربة تهدف إلى إبقاء البعد القانوني والتاريخي والديني للقدس حاضرا في النقاش الدولي، بما يمكن وصفه بالمقاومة الدبلوماسية الرمزية القائمة على استدامة حضور القضية ضمن الفضاء متعدد الأطراف. كما يعتمد في ذلك على حضوره داخل المنظمات الدولية والإقليمية، خاصة منظمة التعاون الإسلامي وجامعة الدول العربية والأمم المتحدة، من خلال خطاب يجمع بين الشرعية القانونية الدولية والمرجعية الدينية والحضارية، بما يعزز مصداقية موقفه بشأن القدس”.
وخلصت الدراسة إلى “أهمية تعزيز الطابع المؤسسي للدبلوماسية الدينية بالمغرب من خلال تطوير إطار استراتيجي وطني متكامل ينسق بين الفاعلين الدينيين والدبلوماسيين، بما يضمن استدامة الأثر وتراكمه، مع تعزيز التكامل بين لجنة القدس والمؤسسات الوطنية والدولية من خلال إنشاء آلية تنسيق مشتركة لتبادل المعلومات وتحديد الأولويات، وتوزيع الأدوار في تنفيذ المشاريع، إضافة إلى إعادة تأطير قضية القدس ضمن خطاب كوني يربطها بقيم العدالة الثقافية وحقوق الإنسان، بما يوسع قاعدة التعاطف الدولي، والاستثمار في إنتاج المعرفة الدينية المؤسسية لتعزيز رأس المال الديني الدبلوماسي وضمان استدامة تأثيره”.
المصدر:
هسبريس