بدأت معركة الطعون الانتخابية مبكرا في الدار البيضاء، إذ علمت جريدة “العمق” من مصادر جيدة الاطلاع أن الساعات الأولى من الحملة الخاصة بالانتخابات التشريعية شهدت تحركات بين عدد من الأحزاب والمرشحين لتوثيق ممارسات ومضامين رقمية يعتبرون أنها قد تشكل خروقات للقواعد المؤطرة للعملية الانتخابية، تمهيدا للاستناد إليها في منازعات محتملة أمام القضاء.
وأفادت مصادر الجريدة بأن أطرافا سياسية شرعت، منذ اليوم الأول للحملة، في جمع وتوثيق منشورات ومضامين متداولة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وسط تنافس محتدم في عدد من الدوائر الانتخابية بالعاصمة الاقتصادية.
وبحسب المصادر ذاتها، استعان بعض المتنافسين بمفوضين قضائيين لإجراء معاينات لمحتويات رقمية منشورة على منصات التواصل الاجتماعي، وتثبيت مضمونها وتاريخ وساعة معاينتها، تحسبا لإرفاقها بملفات الطعون الانتخابية بعد الاقتراع.
ويتيح القانون للمفوض القضائي إجراء معاينات مادية مجردة من كل رأي، سواء بناء على أمر قضائي أو بطلب مباشر من المعني بالأمر، فيما سبق للمحكمة الدستورية أن تعاملت مع محاضر من هذا النوع ضمن المنازعات الانتخابية، مؤكدة أن قيمتها في الإثبات ترتبط بطبيعة المعاينة وكيفية إنجازها ومدى تعزيزها بالوثائق المؤيدة لمضمونها.
وفي واحدة من الحالات التي يجري تتبعها، كشفت مصادر “العمق” أن مرشحة بدائرة أنفا أصبحت محل مراقبة من منافسين بعد رصد تدوينة مرتبطة بحملتها تضمنت العلم المغربي، حيث سارعت أطراف منافسة إلى توثيق المنشور والنظر في إمكانية الاستناد إليه ضمن طعن انتخابي.
وتكتسي هذه الواقعة أهمية قانونية بالنظر إلى أن الاجتهاد القضائي الدستوري سبق أن اعتبر استعمال العلم الوطني لأغراض انتخابية من قبيل استعمال الرموز الوطنية المحظور في الحملة الانتخابية. ففي قرار سابق، اعتبرت المحكمة الدستورية استعمال العلم الوطني خلال الحملة مخالفة، لكنها قدرت أثرها بالنظر إلى نطاقها ومدى تأثيرها على النتيجة، وهو ما يعني أن مجرد ثبوت الواقعة لا يقود آليا إلى إلغاء الانتخاب، وإنما يخضع لتقدير القاضي الانتخابي وظروف كل ملف.
وإلى جانب مضمون المنشورات، امتدت عملية الرصد، وفق مصادر الجريدة، إلى توقيت نشر هذا الخبر، بعدما رصدت أطراف سياسية مضامين مرتبطة بالمرشحين والانتخابات جرى نشرها قبيل الموعد الرسمي لانطلاق الحملة.
وتحدثت المصادر عن حالات تتعلق بنشر لوائح ومضامين انتخابية قبل دقائق من حلول الساعة المحددة قانونا لبدء الحملة، وهو ما دفع منافسين إلى الاستعانة بمفوضين قضائيين لتوثيق المنشورات وتوقيت ظهورها، تمهيدا لإثارتها ضمن ملفات الطعون إذا اعتبروا أنها تشكل دعاية انتخابية سابقة لأوانها.
وكان المرسوم رقم 2.26.190 قد حدد بداية الحملة الانتخابية رسميا في الساعة الأولى من يوم الخميس 10 شتنبر 2026، على أن تستمر إلى الساعة الثانية عشرة ليلا من الثلاثاء 22 شتنبر، فيما يجرى الاقتراع يوم الأربعاء 23 شتنبر.
غير أن توصيف منشور سابق لهذا التوقيت باعتباره “حملة انتخابية سابقة لأوانها” لا يتوقف على توقيت النشر وحده، بل يرتبط كذلك بطبيعته ومضمونه والغاية منه، وهي عناصر يعود تقديرها في نهاية المطاف إلى الجهة القضائية المختصة عند عرض النزاع عليها.
وتكشف هذه التحركات عن انتقال جزء مهم من المنافسة الانتخابية إلى الفضاء الرقمي، حيث لم تعد منشورات “فيسبوك” وباقي المنصات مجرد أدوات للتواصل مع الناخبين، وإنما أصبحت أيضا مادة للرصد والتوثيق من طرف الخصوم السياسيين، وقد تتحول بعد إعلان النتائج إلى أدلة يجري الاستناد إليها في المنازعات الانتخابية.
ويبدو هذا الرهان أكثر وضوحا في الدار البيضاء بالنظر إلى حدة المنافسة داخل عدد من دوائرها، إذ تتابع الأطراف المتنافسة منشورات وتحركات خصومها بصورة دقيقة، وسط استعداد مبكر لنقل جانب من المعركة من صناديق الاقتراع إلى ساحة القضاء.
وتختص المحكمة الدستورية بالمنازعات المتعلقة بانتخاب أعضاء مجلس النواب، ويحدد القانون أجل تقديم الطعون في ثلاثين يوما الموالية لتاريخ إعلان نتيجة الاقتراع. وبحسب مصادر “العمق”، فإن ما جرى توثيقه خلال الساعات الأولى قد لا يكون سوى بداية لمسلسل من الاعتراضات والمآخذ التي سترافق الحملة، في وقت يبقى فيه الفصل في ثبوت أي مخالفة وأثرها على سلامة الانتخاب من اختصاص القضاء.
المصدر:
العمق