آخر الأخبار

قرار التصويت بناء على القبلية .. الولاءات تغيب مفعول البرامج الانتخابية

شارك

مع تبقي أيام قليلة على توجه المواطنين المغاربة صوب صناديق الاقتراع لاختيار نواب الأمة يبرز الاستحقاق التشريعي المرتقب باعتباره محطة ديمقراطية بارزة، في ظل تجدد النقاش حول طبيعة العوامل التي تحكم اختيارات الناخبين ومدى حضور البرامج الانتخابية في تحديد توجهاتهم.

غير أن بعض المناطق المتفرقة في عدد من ربوع المملكة مازال التصويت فيها يخضع للمنطق الجماعي، ولا سيما القبلي، إذ إنه وإن كانت فئة تنظر إلى هذا النهج باعتباره يخفض منسوب الممارسة الديمقراطية ويحد من الاختيار الفردي للناخب فإن آراء أخرى تعتبر أن هذا الأسلوب يشكل نقطة قوة بالنسبة إلى القبائل، باعتباره يتيح لها توحيد مواقفها والدفع بمرشحين قادرين على تمثيل مصالحها والدفاع عنها.

جانب سلبي

محمد محندي، فاعل جمعوي بجماعة أهل تفنوت بإقليم تارودانت، أكد أن اختيار الأحزاب في المنطقة يتضمن جانبا سلبيا يتمثل في تحديد الدواوير بشكل جماعي للمرشح الذي يناسبها، مؤكدا أن الفاعلين الجمعويين بالمنطقة يحاولون توعية الناس بضرورة أن يكون اختيار المرشح مبنيا على الاقتناع ببرنامجه السياسي ومدى حضوره في المنطقة.

وأوضح محندي لهسبريس أن بعض الأشكال غير النزيهة تبرز أحيانا في المنطقة، موردا أنه وإن كانت هناك جوانب إيجابية بفعل التطور الذي تعرفه البلاد فإن وسائل التواصل الاجتماعي تؤدي دورا في توعية الساكنة.

وتطرق الفاعل الجمعوي إلى أن هذا التطور أدى إلى تقليل بعض الممارسات التقليدية التي كان يصوت من خلالها السكان استنادا إلى معيار المبلغ الذي سيقدمه المرشح، فضلا عن التبعية لكبار القبيلة، التي كانت تحتم على عموم الساكنة التصويت للشخص الذي تريده هذه الفئة.

وعبر المتحدث ذاته عن أمله في تغيير هذه العقلية بمنطقة تفنوت، داعيا الساكنة إلى اختيار المسؤولين انطلاقا من البرنامج الانتخابي الذي يستند إلى وعود مسطرة من شأنها أن تساهم في تنمية المنطقة، ومجددا التأكيد على أن هذا هو السبيل الوحيد للاستفادة من العملية الديمقراطية التي ستعرفها المملكة المغربية، من خلال وضع البرلمانيين الذين يتم اختيارهم في سياق المشاكل التي تعرفها المنطقة، ولا سيما أنها تعد من المناطق الجبلية التي تكتسي طابعا خاصا.

وأضاف محندي شارحا: “إذا كان مسؤولونا في مستوى التطلعات فبالتأكيد سنتجاوز هذه الصعوبات”، معبرا عن أمله في أن يسفر الاستحقاق التشريعي عن وجوه جديدة تمنح قيمة مضافة لمنطقة تفنوت التابعة انتخابيا للدائرة المحلية تارودانت الشمالية.

التبعية القبلية

في إقليم ميدلت كذلك تبرز ظاهرة التصويت الجماعي الخاضع للمنطق القبلي، إذ يصرح إدريس باموح، فاعل جمعوي بجماعة تونفيت التابعة لإقليم ميدلت، بأن منطق القبيلة وأصحاب النفوذ مازال هو السائد بالإقليم، مؤكدا أن هذا المعيار هو المعتمد في التصويت على المرشحين، بدل الأخذ بعين الاعتبار البرامج الانتخابية المقدمة أو الانطلاق من حصيلة العمل خلال ولاية انتخابية.

وبين باموح، في تصريح لهسبريس، أن هذا النهج “مازال يعرقل تقدم عجلة التنمية بالإقليم”، موردا في السياق ذاته أن بعض السياسيين “يستغلون منطق القبيلة في التنافس الانتخابي، ويستفيدون من هذه الصراعات قصد الحصول على أكبر عدد من الأصوات”.

وتطرق المتحدث ذاته إلى أن اعتماد السياسي على خطة قضاء المصالح الشخصية للمواطنين في مجموعة من الإدارات العمومية، التي تعتبر في الأصل حقوقا بسيطة في أي دولة ديمقراطية، يعد محددا أساسيا أيضا في “استمالة أصوات الناخبين”، مبرزا أن الترحال السياسي بات أمرا عاديا لدى العديد من الوجوه التي تنظر إلى كتلة أصواتها على أنها “مضمونة”، ولا علاقة لها بحصيلة المنجزات وما تم تحقيقه على أرض الواقع من مشاريع أو تنزيل برنامج الحزب بصفة عامة.

وأشار الفاعل الجمعوي عينه إلى أن “الاعتماد على المال والنفوذ والمنطق القبلي والمصالح الشخصية هو الذي جعل إقليم ميدلت يغرق في وحل التهميش والإقصاء”، مردفا بأنه “لم يتم الارتقاء بعد إلى مرحلة محاسبة المنتخبين وتقييم عملهم كمبدأ في تحديد إعادة التصويت عليهم أو إسقاطهم في صناديق الاقتراع”.

وأورد باموح أن هذه العوامل مجتمعة جعلت الإقليم، خاصة في مناطقه القروية، “يعيش أوضاعا مزرية منذ عقود دون أي تغيير حقيقي”، مضيفا أن “الأنكى هو أنه في ظل كل هذه الأوضاع تظل الوجوه السياسية نفسها هي التي تمثل الساكنة في المجالس المنتخبة”، وهو ما وصفه بـ”التناقض الصارخ”، متسائلا: “ما جدوى هذه الانتخابات إذن؟”.

وخلص إدريس باموح إلى أن “التغيير والتنمية لا بد أن يأتيَا بإرادة سياسية صادقة في خلق مواطن بوعي وحس نقدي، وضمان حقوقه البسيطة في الصحة والتعليم والسكن دون وساطات”، مجددا التأكيد على أن هذه القفزة من شأنها أن تتيح لعموم المواطنين الخوض في محاسبة الأحزاب السياسية على برامجها الانتخابية، عوض “أشياء أخرى” لا علاقة لها بالدولة الديمقراطية.

“توجيه عقلاني”

في تحليل لتنامي هذه الظاهرة أقر عبد الحميد بنخطاب، أستاذ جامعي ورئيس الجمعية المغربية للعلوم السياسية، بأن هذا الأسلوب يعد من الممارسات البدائية في العمل الانتخابي، المرتبطة بالتصويت الجماعي، مستحضرا أن الانتخابات في بداياتها لم تكن تقوم على التصويت للبرامج السياسية أو الأحزاب، بل سبقت ظهور الأحزاب السياسية نفسها.

وأوضح بنخطاب لهسبريس أن التصويت لم يكن دائما عقلانيا ومستندا إلى برنامج سياسي أو لائحة حزبية، بقدر ما كان، على حد تعبيره، “تصويتا شخصيا أو جماعيا”، يعبر فيه الناخب أو مجموعة من الناخبين عن اختيارهم لصالح مرشح أو مجموعة من المرشحين.

ولفت الأستاذ الجامعي ذاته إلى أن التصويت الجماعي، أيا كان المعيار الذي يجمع أصحابه، يرتبط أساسا بالعلاقات الاجتماعية، معتبرا أن هذا السلوك يظل عاديا؛ غير أن أكد أن تطور الأحزاب السياسية وتبوؤها مكانة مهمة في العمل السياسي جعلا التصويت يكتسي طابعا فرديا، إلى جانب الإستراتيجية الجماعية، بحيث غدا موجها أكثر نحو الأحزاب ولوائحها، من خلال اختيار برنامج سياسي معين والدفاع عنه.

وجدد الأكاديمي نفسه التأكيد على أن هذا النهج يظل عاديا في المغرب، موردا أن القبيلة تمثل وحدة سوسيولوجية، وهو ما يدفع الأعيان، ولا سيما من يطلق عليهم “الأشياخ”، إلى توجيه القبيلة والتصويت عموما نحو حزب أو مرشح معين، ومعتبرا أن هذا التوجيه يظل عقلانيا، لكونه يتيح للقبيلة اللجوء إلى ممارسة السياسة والنزول بثقلها السياسي.

“إضعاف البرامج”

اعتبر محمد نشطاوي، أستاذ جامعي ورئيس مركز ابن رشد للدراسات الإستراتيجية وتحليل السياسات، أنه رغم مظاهر التمدن التي عرفها المغرب فإن الانتماء القبلي والعائلي مازال يؤثر بشكل مباشر على الانتخابات بالمغرب، عبر العمل على توجيه أصوات الناخبين نحو أعيان القبائل والوجوه التقليدية، بدل التركيز على البرامج السياسية.

وذكر نشطاوي، في تصريح لهسبريس، أن من بين مظاهر هذا التأثير كون الناخبين في غالب الأحيان يلجؤون إلى الدوائر القروية للتصويت لمرشح ينتمي إلى تلك القبيلة، إما بفعل صلة القرابة أو من منطلق الانتماء القبلي.

وأوضح الأستاذ الجامعي ذاته أن ما يزكي هذا الطرح هو كون أغلب الأحزاب السياسية في المغرب تنهج أسلوب تزكية الوجوه القبلية والأعيان لضمان حصد المقاعد، ما يؤثر بشكل كبير على البرامج الحزبية وأحيانا يضعفها، على حد تعبيره.

وخلص الأكاديمي نفسه إلى أن تأثير القبيلة يشتد في الانتخابات الجماعية والجهوية، مؤكدا أن هذا التأثير يمتد ليحسم نتائج الانتخابات التشريعية عبر شبكة الأعيان، وموضحا أن هذا التأثير القبلي يعمل على إفراغ التوجه الديمقراطي من مضمونه، مبررا ذلك بتراجع منطق المحاسبة على البرامج لصالح “الولاءات الشخصية والزبونية الانتخابية”.

هسبريس المصدر: هسبريس
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا