آخر الأخبار

جرسيف تكتب موسمها الثقافي الجديد.. حين تصبح دار الثقافة بيتا للذاكرة والإبداع

شارك

هبة بريس-إ.السملالي

تستعد دار الثقافة بجرسيف لموسم جديد لا يبدو في تفاصيله مجرد روزنامة للأنشطة، بقدر ما يقدم تصوراً للثقافة باعتبارها فعلاً مستمراً، ومساحة للقاء، ووسيلة لإعادة اكتشاف الذات والمدينة.

من أكتوبر 2026 إلى يونيو 2027، تقترح المديرية الجهوية لقطاع الثقافة بجهة الشرق، التابعة لوزارة الشباب والثقافة والتواصل، قطاع الثقافة، برنامجاً يمتد على تسعة أشهر، تتجاور فيه الفنون مع الذاكرة، والتكوين مع الإبداع، والاحتفاء بالمناسبات الوطنية مع استعادة عناصر من التراث والهوية المغربية.

إنها محاولة لجعل دار الثقافة أكثر التصاقاً بنبض المدينة، وأكثر انفتاحاً على جمهورها، خصوصاً الشباب والناشئة، عبر أنشطة لا تنحصر في العرض والفرجة، وإنما تمنح أيضاً فرصة للتعلم والتجريب وصناعة التعبير.

يفتتح الموسم الثقافي في أكتوبر على إيقاع الدورة الثالثة والثلاثين لمهرجان الزيتون، الممتدة من 31 أكتوبر إلى 8 نونبر، في تزامن مع محطات وطنية راسخة في الوجدان المغربي، وفي مقدمتها ذكرى المسيرة الخضراء وعيد الاستقلال.

وفي هذه البداية، تتخذ الثقافة من الذاكرة جسراً نحو الحاضر، عبر ورشات فنية مستمرة، ومسابقات في العروض الفنية والأناشيد الوطنية، ولقاءات تستحضر قضية الوحدة الترابية، إلى جانب عروض للأفلام والوثائقيات التي تستعيد صوراً ومحطات من المسيرة الخضراء والتاريخ الوطني.

وفي نونبر، يستمر هذا الخيط، مع اختتام مهرجان الزيتون، وتقديم عرض مسرحي توثيقي حول المسيرة الخضراء، وتنظيم معارض للصور الفوتوغرافية ومنشورات المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير، فضلاً عن لقاءات ومنتديات فكرية تجعل من التاريخ مادة للحوار، لا مجرد صفحات محفوظة في الكتب.

يحمل دجنبر بعداً آخر من هذا الاشتغال على الذاكرة، من خلال تخليد ذكرى معارك جيل بجاليم الريفية، وتنظيم أنشطة بيئية مدرسية، بالتوازي مع ورشات تفتح المجال أمام الشعر والتراث اللامادي.

وتكتسب المكتبة بدورها حضوراً لافتاً عبر لقاء تحسيسي حول الذاكرة لفائدة رواد دار الثقافة، في إشارة إلى أن الثقافة لا تبدأ وتنتهي فوق الخشبة، وإنما تتشكل أيضاً في الكتاب، وفي الصورة، وفي الحكاية، وفي ذاكرة الأشخاص والأمكنة.

ومع يناير 2027، تتسع دائرة الاحتفاء لتلامس تعدد روافد الهوية المغربية، من خلال أنشطة مرتبطة بذكرى تقديم وثيقة الاستقلال ورأس السنة الأمازيغية، إلى جانب الاحتفاء برأس السنة الميلادية. وستواكب هذه المناسبات معارض للصور ومنشورات مرتبطة بتاريخ المقاومة وجيش التحرير، وزيارات لمؤسسات تعليمية، فضلاً عن أمسية ثقافية مفتوحة لاستقبال السنة الجديدة.

وفي فبراير، يأخذ الموسم الثقافي منحى أكثر هدوءاً وارتباطاً بالبعد الروحي، استعداداً لشهر رمضان، من خلال ورشات وندوات تتناول أسرار الشهر الفضيل وما يحمله من تقاليد وقيم وأشكال تعبير راسخة في الذاكرة المغربية.

أما مارس، فيجمع بين عيد الفطر واليوم العالمي للمسرح، في لحظة تلتقي فيها طقوس الاحتفال مع أب الفنون. وستكون المناسبة فرصة لاستعادة حصيلة الأنشطة السابقة من خلال معرض للصور والفيديوهات يوثق لحظات من الموسم، ويمنح الجمهور فرصة لرؤية ما أنجزته الورشات والأنشطة المختلفة.

ويأتي أبريل ليمنح التكوين مساحة أوسع، من خلال استمرار الورشات في مختلف المجالات، وتنظيم عروض مسرحية تجريبية، بالتوازي مع التحضير للعروض الكبرى المبرمجة خلال ماي ويونيو.

وهنا تحديداً، يخرج البرنامج من منطق النشاط العابر إلى منطق بناء التجربة؛ فالمشارك في الورشة ليس مجرد متلقٍ، وإنما فاعل يتعلم ويجرب ويخطئ ويعيد المحاولة، قبل أن يقف في النهاية أمام الجمهور حاملاً ثمرة ما راكمه من معرفة ومهارة.

وفي ماي، يعود المسرح إلى الواجهة من خلال الاحتفاء باليوم الوطني للمسرح، إلى جانب عيد الشغل، عبر أمسيات ثقافية ومسابقات وعروض تجريبية، فيما تتواصل الاستعدادات النهائية للمحطة الختامية للموسم.

نهاية موسم.. وبداية حكاية أخرى

في يونيو، تصل الرحلة إلى محطتها الأخيرة، لكن النهاية هنا لا تعني إسدال الستار بقدر ما تعني الاحتفال بما تحقق. عروض ختامية للورشات، ومعرض فني شامل، وتكريم للمشاركين المتميزين وتوزيع للشهادات، ثم عرض يوثق لأبرز إنجازات الموسم، قبل فتح مساحة للتقييم والتفكير في الموسم المقبل.

وما يمنح البرنامج امتداده الحقيقي هو تنوع مجالاته واستمراريتها؛ من المسرح والسينما والموسيقى، إلى الخط العربي والقراءة والحكي والفنون التشكيلية وصناعة المحتوى، فضلاً عن المعارض واللقاءات الفكرية والأمسيات الثقافية.

كما يحتفظ التاريخ الوطني بمكانته داخل هذا التصور، من خلال إشراك قدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير، وعرض منشورات المندوبية السامية، بما يجعل الذاكرة جزءاً حياً من المشهد الثقافي، ويتيح للأجيال الجديدة الاقتراب من تاريخ بلادها عبر الصورة والشهادة والوثيقة.

دار الثقافة.. أكثر من فضاء للعروض

في جوهره، يطرح هذا الموسم سؤالاً يتجاوز حدود البرنامج نفسه: ماذا نريد من دار الثقافة أن تكون؟

الجواب الذي تقترحه برمجة جرسيف هو أن تكون أكثر من قاعة للعروض ومكاناً لاحتضان المناسبات؛ أن تصبح فضاءً مفتوحاً للتعلم واللقاء والحوار، ومشتلاً للمواهب، ومكاناً تتقاطع فيه ذاكرة المدينة مع أحلام شبابها.

فالرهان الثقافي الحقيقي لا يقاس فقط بعدد الأنشطة المنظمة، وإنما بقدرتها على ترك أثر في الجمهور، وخلق علاقة مستمرة بين الإنسان ومحيطه الثقافي، ومنح الموهبة فرصة كي ترى النور.

ومن هذه الزاوية، تبدو برمجة الموسم الثقافي 2026/2027 بجرسيف محاولة لبناء موسم لا يكتفي بتقديم الثقافة، بل يسعى إلى جعلها ممارسة يومية؛ ثقافة تستحضر الماضي دون أن تسكن فيه، وتحتفي بالهوية دون أن تغلق أبوابها أمام التجديد، وتمنح الشباب أدوات التعبير بدل الاكتفاء بالحديث باسمهم.

وهكذا، تستعد دار الثقافة بجرسيف لموسم جديد، تتجاور فيه الخشبة مع الكتاب، والصورة مع الذاكرة، والشعر مع الحكاية، والتكوين مع الفرجة. تسعة أشهر من المواعيد، لكنها في العمق تسعة أشهر من محاولة كتابة علاقة جديدة بين المدينة وثقافتها، وبين الإنسان وذاكرته، وبين الموهبة والفرصة

هبة بريس المصدر: هبة بريس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا