تدخل الوعود الانتخابية التي تتضمنها برامج الأحزاب السياسية للانتخابات التشريعية المقبلة، مرحلة الاختبار، بين تحذيرات من كلفة مالية قد تتجاوز قدرة الميزانية على التحمل، وقراءة اقتصادية أخرى ترى أن بعض هذه الالتزامات تظل قابلة للتنفيذ متى اقترنت بقرارات سياسية واضحة وإعادة ترتيب للأولويات والموارد.
وبينما يحذر الخبير الاقتصادي ومدير مرصد العمل الحكومي محمد جدري من وعود انتخابية يرى أن بعضها يصعب، بل يستحيل في حالات معينة، تنزيله في ظل معدلات النمو وحجم المديونية والتوازنات المالية الحالية، يؤكد الخبير الاقتصادي المهدي فقير أن الحكم على البرامج لا ينبغي أن يتوقف عند أرقامها، بل يجب أن يمتد إلى التوليفة التي تقترحها الأحزاب لتمويلها وتنفيذها.
وشدد جدري في حديث مع جريدة “العمق”، من أن عددا من الوعود التي تطرحها الأحزاب السياسية خلال المرحلة الانتخابية قد يصعب، بل يستحيل في بعض الحالات، تنزيلها على أرض الواقع، داعيا الأحزاب إلى تقديم توضيحات دقيقة بشأن آليات تنفيذ التزاماتها ومصادر تمويلها.
وقال المتحدث، إن المغرب يعيش حاليا مرحلة انتخابية تعرف إطلاق مجموعة من الوعود من طرف الأحزاب السياسية، غير أن المطلوب، بحسبه، هو شرح كيفية الانتقال بهذه الوعود من الخطاب الانتخابي إلى التنفيذ الفعلي على أرض الواقع.
وأوضح الخبير الاقتصادي أن البرامج الانتخابية ليست كلها على الدرجة نفسها من حيث قابلية التنفيذ، مشيرا إلى أن هناك التزامات يمكن تنزيلها ميدانيا، في حين أن بعض الوعود الأخرى قد يكون تحقيقها صعبا، بل مستحيلا، بالنظر إلى الإمكانات المتاحة.
وضرب جدري مثالا بالوعد المتعلق برفع الدعم الاجتماعي المباشر إلى حد أدنى يبلغ 1000 درهم، موضحا أن تنفيذ هذا الالتزام سيكلف خزينة المملكة حوالي 24 مليار درهم إضافية، وهو ما قد يجعل من الصعب على الحكومة الالتزام به بشكل مستدام.
وقال إن الأمر نفسه ينطبق على الوعود المتعلقة برفع الحد الأدنى للمعاشات، خصوصا في ظل وضعية عدد من صناديق التقاعد التي قال إنها «توشك على الإفلاس»، معتبرا أن تحديد حد أدنى للمعاش في 3000 درهم سيكون أمرا صعبا، بل مستحيلا، على الأقل خلال السنوات الخمس المقبلة.
كما توقف جدري عند الوعود المتعلقة بتخفيض الضريبة على الدخل من 37 في المائة إلى 20 في المائة، معتبرا أن تحقيق هذا الإجراء بدوره يواجه صعوبات، في ظل التوازنات المالية الحالية وحاجيات الدولة من الموارد.
وأكد المتحدث أن المطلوب من الأحزاب السياسية لا ينبغي أن يقتصر على الإعلان عن الوعود، وإنما يتعين أن تقدم إلى جانبها الطريقة التي تعتزم اعتمادها لتنفيذها، حتى يكون الناخب أمام تصور واضح بشأن كيفية تنزيل الالتزامات المعلنة.
وشدد جدري على أن المرحلة الانتخابية تفرز وعودا يمكن تحقيقها على أرض الواقع، لكنه حذر في المقابل من أن «أغلب الوعود الانتخابية» قد تتحول إلى مجرد خطاب يستهدف «دغدغة مشاعر المغاربة»، معتبرا أن بعضها قد يكون بعيدا عن الواقعية والصراحة.
وفي هذا السياق، تساءل الخبير الاقتصادي عن كيفية الجمع بين مجموعة من الالتزامات المالية والاقتصادية في الوقت نفسه، قائلا إنه لا يمكن، وفق تصوره، أن يتم العمل في آن واحد على خفض عجز الميزانية وتقليص المديونية، والتوجه نحو الاستثمار، مع الرفع من الإنفاق الحكومي بدرجة كبيرة جدا، دون توضيح كيفية تحقيق التوازن بين هذه الأهداف.
ودعا جدري، في هذا السياق، الأحزاب السياسية إلى تقديم تفاصيل أكثر بشأن الكلفة المالية لوعودها ومصادر تمويلها وآليات تنزيلها، حتى لا تبقى البرامج الانتخابية مجرد أهداف معلنة، وإنما تتحول إلى التزامات قابلة للقياس والتنفيذ.
من جانبه، دعا الخبير الاقتصادي المهدي فقير إلى قراءة الوعود الانتخابية في سياقها السياسي، مع التأكيد على أنها تمثل، إلى إشعار آخر، التزامات سياسية تتحمل الأحزاب مسؤوليتها، مؤكدا احترامه للهيئات الحزبية والسياسية المغربية وللنخب التي أشرفت على إعداد البرامج الانتخابية، مشيرا إلى أن داخل هذه الأحزاب أطر وخبرات راكمت تجربة في تدبير الشأن العام.
وقال فقير في تصريح لجريدة “العمق”، إن ما لاحظه في هذه الانتخابات، خلافا للتجارب السابقة، هو انتقال البرامج من التزامات ذات طبيعة ماكرو اقتصادية إلى التزامات أكثر ارتباطا بالأرقام وعلى مستوى أكثر دقة.
وأوضح أن الأحزاب كانت في السابق تتحدث، مثلا، عن تحقيق نسبة معينة من النمو أو خلق عدد محدد من مناصب الشغل، بينما أصبحت اليوم تقدم التزامات أكثر تفصيلا ورقما، وهو ما اعتبره نوعا من النضج الذي ينبغي أن يحسب للطبقة السياسية وللممارسة الديمقراطية في المغرب.
غير أن فقير شدد على أن أي خبير اقتصادي سينظر إلى هذه الوعود انطلاقا من أرقام ومعطيات وسياق اليوم، ستكون لديه بالضرورة تحفظات بشأن بعضها، خصوصا عند النظر إلى التوازنات الموازناتية والوضعية الاقتصادية والمالية الحالية، لكنه في الوقت نفسه دعا إلى عدم التعامل مع هذه المعطيات باعتبارها حكما نهائيا على إمكانية تنفيذ الوعود، موضحا أن الأمر يتعلق بعهدة جديدة، وأن للسياسيين هامشا في اتخاذ القرار.
وأشار الخبير الاقتصاديإلى أن عددا من السياسيين سبق لهم تدبير الشأن العام، وبالتالي يتوفرون على تراكم وتجربة ووعي بخبايا الأمور ودواليبها، وهو ما يجعل تقييم التزاماتهم مختلفا عن تقييمها فقط انطلاقا من المعطيات التقنية الحالية.
وفي ما يتعلق بالوعد برفع الدعم الاجتماعي المباشر إلى 1000 درهم، اعتبر فقير أن هذا الإجراء يمكن أن يكون مقبولا تقنيا في حالات معينة، إذا اقترن بتحسين الاستهداف وإعادة ترتيب الموارد، موضحا أن رفع الدعم يعني، من بين أمور أخرى، تحسين الاستهداف بشكل كبير، مشيرا إلى إمكانية أن تقول الجهة التي تقترح هذا الإجراء إنها ستحقق ذلك من خلال إلغاء المقاصة، بما يوفر الموارد التي يمكن توجيهها إلى الأسر المستحقة.
وأشار إلى أن النقاش حول الدعم يرتبط أيضا بطريقة احتساب المستفيدين واستهداف الأسر، موضحا أن وجود توليفة لدى صانع القرار أو لدى الطبقة السياسية التي ستتولى تدبير الشأن العام يمكن أن يغير طريقة تنفيذ الالتزام، مؤكدا أن الحسابات الرقمية قد تكون محل اختلاف، لأن البعض قد يرى أن الأمر يتعلق بالوعاء المالي نفسه، غير أن اتخاذ قرارات سياسية جريئة يمكن أن يفتح المجال أمام رفع مستوى الدعم.
وبذلك، لا يرى فقير أن الحكم على الوعد ينبغي أن يتم فقط من خلال مقارنة الرقم المعلن بالموارد المتاحة حاليا، وإنما ينبغي أيضا النظر إلى القرارات التي يمكن أن يتخذها صانع القرار وإلى كيفية إعادة ترتيب الموارد.
وقدم فقير مثالا آخر يتعلق بقطاع الكهرباء، موضحا أن بعض الالتزامات قد تتضمن في صياغتها السياسية إجراء يبدو مكلفا، قبل أن تقترح الجهة نفسها آلية موازية لتغطية الكلفة، مشيرا إلى أن التزام “مجانية فواتير الكهرباء أقل من 100 درهم” استدرك من اقترحوه في برنامجهمالانتاخابي بفرض مساهمة تضامنية على المستهلكين الكبار.
وأوضح أن هذه التوليفة، وفق المثال الذي قدمه، تعني أن شركات الكهرباء لن تتحمل الخسارة، لأن المستهلكين الكبار يمكن أن يتحملوا جزءا من الكلفة، بما يسمح بأداء الفواتير الصغيرة. وبحسب فقير، فإن المثال يوضح أن الأرقام وحدها لا تكفي للحكم على قابلية تنفيذ الالتزام، لأن هناك خيارات وقرارات سياسية يمكن أن ترافقه وتحدد كيفية تمويله.
وشدد فقير على أن دوره كخبير اقتصادي ليس منح “صك غفران” لأي حزب، مؤكدا أن الالتزامات الانتخابية تظل التزامات سياسية تتحمل الأحزاب مسؤوليتها، موضحاأن أي خبير اقتصادي ينظر إلى هذه الالتزامات بأرقام اليوم ووضعية اليوم وسياق اليوم ستكون لديه تحفظات، وهو أمر طبيعي من الناحية التقنية.
لكنه شدد، في الوقت نفسه، على ضرورة عدم تبخيس ما قامت به الأحزاب من عمل في إعداد برامجها، مؤكدا أن الأطر الحزبية بمختلف الأحزاب تتوفر على تراكم تقني وخبرة، وأن عددا من أفرادها سبق لهم تدبير الشأن العام، كما تضم أطر ذات تجربة في الإدارة المغربية والمقاولة المغربية.
ويرى فقير أن هذا الأمر يصبح أكثر أهمية مع تغير منطق البرامج السياسية، إذ لم تعد الالتزامات، حسب تصوره، فضفاضة كما كانت في السابق، وإنما أصبحت أكثر تحديدا.
وضرب مثالا بالإصلاح الضريبي، موضحا أن الخطاب السياسي أصبح يتجه إلى تقديم التزام محدد بشأن الضريبة على الأجر، وتحديد الأشطر التي سيتم تعديلها أو سحبها، وهو ما اعتبره التزاما سياسيا، لكنه في الوقت نفسه التزام ذو مضمون تقني.
المصدر:
العمق