آخر الأخبار

وَهم المؤامرة ومأزق الداخل .. "تقرير أحداث سبتة" يدين الأجهزة الإسبانية

شارك

شكَّل التسريب المنهجي لتقرير المركز الوطني الإسباني للهجرة والحدود (CENIF)، المتعلِّق بأحداث سبتة ليومي 30 و31 يوليوز 2026، حَلقة جديدة ضمن سِلسلة مُحاوَلات تصدير الأزمات الداخلية الإسبانية نحو المغرب، حيث أن القراءة المتأنية للوثيقة المكونة من 55 صفحة، والتي أُعدّت بطلب من المحكمة الوطنية الإسبانية (Audiencia Nacional)، تكشِف عن بناء سردي هش، يَفتقِر إلى الأدلة المادية، ويَعج بتناقضات صارخة تدحَض فَرضيات التقرير نفسه.

فبدلًا من تقديم تحليل أمني رَصين، يَقوم على مُعطيات واقعية دَقيقة، يَعتمد التقرير على الاستنتاجات الظنية، وتَحليل لُغة الجسد، وتجاهل الإخفاقات الإسبانية الذاتية، في مُحاولة يائسَة لتحويل المغرب من شريك استراتيجي مَوثوق في إدارة الحدود إلى كبش فِداء لتصفية حسابات سياسية وقضائية بحتة في مدريد.

غياب الدليل المادي

يَقوم البناء المنطقي للتقرير على مُفارقة مَركزية وتناقضات صارخة تُسقِط مصداقيته من الأساس: فهو يَتهِم الدولة المغربية بشُبهة تدبير “عملية منظمة ومخطط لها”، ثم يقرن هذا الاتهام باعتراف صريح في المستوى الخامس من التقرير (المخصص لـ “القيادة”) بالعَجز التام عن تحديد أي مسؤولية عليا أو جِهة راعية لهذه العملية!

فكيف يُمكن لجهة أمنية أن تجزم بوجود توجيه استراتيجي يَفوق قُدرات شبكات التهريب، ثم تَعترف في نفس الوثيقة بعدم امتلاكها لأي دليل يَربط هذا التحرك المزعوم بالدولة المغربية أو مؤسساتها وأجهزتها الأمنية؟

لقد لَجأ مُعِدو التقرير، لتعويض هذا الفراغ الاستخباراتي، إلى الاعتماد على ما اعتبروه “التحليل السُلوكي” لصور ومَقاطع فيديو مَفتوحة المصدر! فمن المثير للسخرية أن تُبنى اتهامات مَنسوبة لدولة ذات سيادة بناءً على تقييم مَلابس بعض المهاجرين غير النظاميين، أو أحذيتهم، أو بنيتهم الجسدية، أو مُجرَّد سيرهم بهدوء عكس مسار الهجرة، ليتم تصنيفهم كـ “عملاء مُحركين” (Agents dynamisateurs).

وهذا الانزلاق من التحليل الأمني الاستقصائي إلى الانطباعات البصرية البَحتة، يَفرغ التقرير من أي قيمة قانونية أو استخباراتية أو أمنية، ويُثبت أن “الأسماء والصور” التي ادعى الإعلام الإسباني مُسبقاً امتلاك المخابرات لها، ليست سِوى استنتاجات واهية ووهمية لا تَرقى لمستوى الدليل المادي الذي يَسمح باتهام أجهزة أمنية صديقة وشريكة في حماية أمن المتوسط.

مَنطِق مُزدوَج المعايير

من أبرَز السَقطات التحليلية للتقرير هو توظيفه لأحداث 15 غشت كدليل إدانة ضد المغرب، وفق مَنطِق مَعكوس وعَبثي. فقد أثبتت السلطات المغربية كفاءتها العالية والتزامها الصارم حين أجهَضت بشكل استباقي وحاسم مُحاولات التسلُّل التي تمت الدعوة إليها في مُنتصف شهر غشت الماضي.

وبدلاً من أن يُقِر التقرير الإسباني بفعالية المقاربة الأمنية المغربية، قام بتحوير هذا النجاح ليَصيغ منه اتهاماً جديداً: وهو الادعاء بأن قُدرة المغرب على السيطرة في منتصف شهر غشت دليل على تعمُّده التساهل في أحداث نهاية يوليوز.

ويَذهب التقرير إلى أبعد من ذلك عبر تبني فَرضية خيالية تَعتبِر أن استنفار 15 غشت لم يَكن سوى “مناورة لتبييض” أحداث أواخر يوليوز، في طَرح يَضع المغرب أمام مُعادلة مستحيلة في العقلية الأمنية الإسبانية الحالية: وهي إن أخفقَت الترتيبات الأمنية أمام مَوجات هجرة بشرية هائلة ومُفاجئة فهو “تواطؤ”، وإن نَجحت في إجهاض مَوجة أخرى مُماثِلة فهو “تمثيلية” وصَك لتبييض السُمعة! إنه العَبث الإسباني.

إن هذا التوظيف الانتقائي للحقائق يَعكِس نوايا مُبيتة لتجريم المغرب مهما كان سلوكه الميداني، متجاهلاً تعقيدات إدارة الحُشود البشرية التي تتجاوز في بعض الأحيان قدرة أي جهاز أمني في العالم، بما في ذلك الأجهزة الأوروبية ذاتها، ومُتغافلا أيضا عن حَجم الخسائر البشرية والأضرار المادية التي تَكبَدها الأمن المغربي عند مواجهته لحملات النزوح الأولى في 30 و31 يوليوز المنصرم.

التعمية على الفشل الذاتي

يَحمل التقرير في طياته إدانة واضحة وموثَقة للأجهزة الإسبانية نفسها، وهي الإدانة التي يُحاول الإعلام الإسباني حَجبها بالتركيز على المغرب، حيث تَعترف الوثيقة بشكل لا لُبس فيه بوجود تحذيرات مُبكِرة إسبانية بدءاً من 27 يوليوز، متبوعة بإنذار رسمي من الـ CENIF يوم 29 يوليوز حول احتمال حدوث اختراقات كبرى، وتَلته إنذارات مُتتالية عن خطر “الانهيار” الحدودي. ومع ذلك، لم تتخِذ السلطات الإسبانية التدابير الاستباقية الكافية للتعامل مع هذا المعطى الاستخباراتي الداخلي.

والأدهى من ذلك، يَعترِف التقرير الإسباني بوجود حالة من التخبط المعلوماتي غير المسبوق داخل مؤسساته؛ فحتى أواخر غشت، عجَزت السلطات الإسبانية عن تحديد رقم دقيق لعدد الأشخاص الذين دخلوا أو خرجوا من سبتة، بتقديرات تتأرجح بعشوائية بين 49 ألفاً و85 ألف شخص، فكيف يُمكن لجهة لا تستطيع حتى إحصاء من دخل مدينة سبتة، وتجاهلَت إنذارات أجهزتها الداخلية، أن تُنصِب نفسها حكماً لتقييم النوايا الاستراتيجية لدولة جارة وشريكة ؟

إن تسليط الضوء على المغرب ليس في العُمق سوى محاولة يائسة للهروب من المساءلة الداخلية حول الضعف الهيكلي في الاستجابة الإسبانية لأزمة الهجرة الحالية.

سيكولوجية الهجرة

في مُحاولته لإثبات نظرية “التنظيم المسبق”، يُركز التقرير على الحملات الرقمية التي سبقت 30 يوليوز عبر مِنصات تواصلية مثل فيسبوك وتيك توك وتطبيق واتساب، حيث يَستند التقرير إلى وجود كثافة لأرقام هواتف مغربية (90.8%) في المجموعات المدروسة، ليَستنتج ضمناً تورطاً مؤسساتياً مغربيا!

لكنه سُرعان ما يَعود ليُناقض نفسه بالاعتراف بعدم قدرته على تحديد هوية أصحاب هذه الأرقام، متجاهلاً حقيقة بديهية: وهي أن جغرافية الحدث ستُفرِز بشكل طبيعي تواجداً رقمياً مَحلياً، وهذا لا يَعني إطلاقاً رعاية الدولة لتلك الأحداث.

لقد تَعمَّد التقرير تهميش العامل الأهم في تأجيج هذه الموجة، وهو التأويل الخاطئ والفيروسي لحكم المحكمة العليا الإسبانية (والذي تم ترويجه بين المهاجرين كقاعدة: “إذا دخلت سِباحة، فلن يتم ترحيلك”)، حيث إن الدينامية الفيروسية لوسائل التواصل الاجتماعي قادرة على تحريك عشرات الآلاف في ساعات مَعدودة، سواء تعلق الأمر باحتجاج، أو شائعة قانونية، أو وهمِ العبور نحو “الفردوس الأوروبي”.

إن أية محاولة لإلباس هذه الظاهرة السوسيولوجية والرقمية المعقَدة ثوب “المؤامرة الاستخباراتية” ينم عن قُصور في فهم ديناميات الهجرة الحديثة، التي لم تعد تحتاج إلى “قيادة كلاسيكية” لتأجيجها، بل يَكفي توفر العوامل المفرِزة لها لتنفجر من تلقاء نفسها.

المغرب مشجب لصراعات إسبانية

لا يُمكن فصل تسريب هذا التقرير، وطبيعة استنتاجاته، عن حالة الاستقطاب الحاد التي تعيشها الساحة السياسية الإسبانية. فنحن أمام وثيقة أُعدت في سياق قضائي بطلب من القاضية (ماريا تاردون)، وتم حجبها في البداية عن السلسلة القيادية السياسية، لدرجة أن وزير الداخلية غراندي مارلاسكا، ورئيس الحكومة بيدرو سانشيز، صرحا بعدم وُجود أي مُعطيات تدين المغرب.

إن إقحام نقابات شرطية مُسيَسة كـ (JUPOL)، التي لم تتورع عن اتهام مسؤولين إسبان بـ “العلاقة مع المخابرات المغربية”، ودخول أطراف انفصالية ككارليس بويغديمونت على الخط للمطالبة بـ “إنهاء استعمار” سبتة ومليلية، يُؤكد أن القضية برُمتها لا تتعلق بالحدود، بل بصراع أجنحة مُتناحِرة في مدريد.

لقد بات من الواضح أن المغرب يؤدي ثمن صِراعات إسبانية داخلية. فالدولة التي تُجند آلاف العناصر الأمنية يومياً لحراسة الحدود، والتي تَحملَت لسنوات العبء الأكبر لتدبير تدفقات الهجرة غير النظامية نحو أوروبا، لا يُمكن تَقزيم أدوارِها أو التشكيك في التزامها بتقرير قضائي-أمني مليء بالثغَرات والافتراضات والهَوس بالمغرب.

ثم إن التمادي في توظيف اسم المغرب كأداة لتصفية الحسابات السياسية الإسبانية الداخلية، لن يُساهِم سوى في تقويض أُسس التعاون الثنائي الاستراتيجي، الذي يَظل صَمّام الأمان الحقيقي للمنطقة برُمتها، بما في ذلك حماية أمن إسبانيا الذي يَعتمِد في شِق كبير على الشراكة الأمنية مع المغرب.

هسبريس المصدر: هسبريس
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا