آخر الأخبار

من “سيدي عمر” إلى “علال المصدر” بتيفلت.. طرقات متهالكة تخنق الحياة والاقتصاد

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

تخيل أن تعيش في رقعة جغرافية تزخر بالضيعات الفلاحية والمناظر الطبيعية الخلابة، لكن الوصول إليها يتطلب مغامرة قد تكلفك سلامتك أو تتسبب في تدمير سيارتك. هذا ليس مشهدا من فيلم وثائقي عن المناطق النائية، بل واقع يومي مرير تعيشه ساكنة منطقة “سيدي عمر”، التي لا تبعد عن مدينة تيفلت سوى بنحو 20 كيلومترا.

بين حفر شبيهة بالآبار، وزفت يتآكل يوما بعد آخر، و”رموكات” تدك ما تبقى من البنية التحتية، تعاني طريق “سيدي عمر”، بجماعة سيدي عبد الرزاق بدائرة تيفلت، من شبح العزلة، حيث أصبح قطع بضعة كيلومترات بمثابة رحلة عذاب شاقة، ألقت فيها المعاناة بظلالها على مختلف تفاصيل الحياة اليومية، من الفلاحة والصحة إلى الدراسة والتسوق.

“سيدي عمر” يغرق في الحفر

«بين الحفرة والحفرة تجد حفرة أخرى».. بهذه العبارة الدالة يختصر الحاج عابد، نائب أمين سيارات الأجرة بجماعة سيدي عبد الرزاق، حجم المعاناة اليومية على طول المحاور الطرقية المتهالكة بدائرة تيفلت.

وبنبرة ملؤها الحسرة، يتابع المهني حديثه لـ«العمق»، موضحا أن طريق «سيدي عمر» تشهد تآكلا كبيرا وترديا جسيما في بنيتها التحتية، جراء ما وصفه بـ«التهميش المستمر من قبل المجالس الجماعية والجهات الوصية»، مؤكدا أن هذا الوضع مستمر منذ أكثر من عقد دون تدخل يذكر، فيما تزداد حالة الطريق سوءا يوما بعد آخر.

ويرى المسؤول المهني أن «غياب الصيانة حوّل هذا المسلك الطرقي إلى مصيدة للمركبات، ما شل حركة سيارات الأجرة ودفع الساكنة إلى الاستعانة بوسائل النقل غير المنظم، من قبيل سيارات “البيكوب”، كبديل اضطراري لنقل المرضى والتجار والطلاب».

وشدد أمين أمناء دائرة تيفلت على أن حدة الأزمة تتضاعف بشكل مأساوي مع حلول فصل الشتاء، مبرزا حجم المعاناة بقوله: «إذا كان الوضع في الصيف كارثيا، فإن الشتاء يجعل الخروج عبر هذه الطريق شبه مستحيل، لتنقطع السبل بساكنة “سيدي عمر” وتدخل المنطقة في عزلة شبه تامة».

سيارات الأجرة.. بين مطرقة الأعطاب وسندان غضب الساكنة

مصدر الصورة

لا تقتصر الأزمة على المواطنين فقط، بل تمتد لتضرب العصب الاقتصادي لسائقي سيارات الأجرة، الذين يجدون أنفسهم أمام خيارين أحلاهما مر: إما المجازفة بمركباتهم وتكبد خسائر مالية باهظة، أو رفض نقل الزبناء ومواجهة غضبهم.

وفي هذا السياق، يؤكد السائق المهني بتيفلت سعيد صابر أن التردي الكبير للبنية الطرقية بات يكبد المهنيين تكاليف صيانة باهظة، جراء التلف المتكرر للإطارات وأجهزة التعليق، وهو ما اضطر العشرات منهم إلى مقاطعة خط “سيدي عمر”، واصفا الوضع بقوله: «نعاني يوميا مرارة لا تطاق، فالزبناء يطلبون التنقل، لكننا نجد أنفسنا مضطرين إلى الرفض حماية لمركباتنا من الأعطاب».

ويكشف صابر عن واقع آخر يصفه بـ«المخجل»، يتمثل في اضطرار السائقين إلى الاقتطاع من قوت يومهم لجمع مساهمات مالية يخصصونها لشراء الإسمنت والمواد الأولية من أجل ترقيع الحفر العميقة بسواعدهم، في محاولة لتأمين الحد الأدنى من قابلية الطريق للمرور.

وعن هذا التكافل الاضطراري في مقابل ما يعتبره تجاهلا رسميا، يعبر السائق المهني سعيد بمرارة: «نشتري المواد الأساسية ونرمم الحفر من أموالنا الخاصة، فقط لنتمكن من الاستمرار في العمل. والمثير للاستياء أنه مع كل استحقاق انتخابي، يمر المنتخبون والمسؤولون عبر هذا المحور المتهالك على متن سياراتهم الفارهة، دون أن تحرك هذه المعاناة فيهم ساكنا».

وأمام هذا الوضع المشحون، تتوحد شكاوى السائقين في التعبير عن حجم المعاناة. وفي هذا السياق، يلفت السائق عبد الله، الملقب بـ«أبا حسن»، إلى حجم الحرج الإنساني والمهني الذي يطوق السائقين يوميا، إذ يجدون أنفسهم محاصرين بين اضطرارهم إلى رفض طلبات التنقل واستنزاف مداخيلهم في شراء قطع الغيار التي تشهد أسعارها ارتفاعا متواصلا.

ويقول: «تغيير الإطار الواحد يكلف نحو 1000 درهم، بينما لا يغطي المدخول اليومي حجم التلف والأضرار. لقد تحولت هذه الطريق إلى عبء مالي ونفسي ثقيل يتجاوز قدرة أي سائق على التحمل».

وأمام هذا الانسداد، لم يتبق أمام بعض السائقين سوى اللجوء إلى خيارات مكلفة، إذ يوضح السائق عبد السلام أنه يضطر إلى سلوك محاور بديلة وأطول عبر مدينة الخميسات، تجنبا للأعطاب الجسيمة التي تخلفها حفر الطريق المباشرة، قائلا: «أجد نفسي مجبرا على الالتفاف عبر الخميسات وقطع ما بين 15 و20 كيلومترا إضافية، لتفادي هذه الحفر التي تضر بسيارتي».

صرخة ساكنة سيدي عمر

مصدر الصورة

على جنبات الطريق وفي محطات الانتظار المتهالكة بتيفلت، ترتسم مشاهد إنسانية مؤلمة تتكرر يوميا، لأشخاص مسنين وأطفال ينتظرون لساعات أملا في العثور على وسيلة نقل تعيدهم إلى بيوتهم.

وفي شهادة تختزل حجم هذا الواقع القاسي، تتحدث إحدى المسنات بمرارة عن تفاصيل معاناتها قائلة: «اليوم لم أجد أي سيارة أجرة تتجه نحو “سيدي عمر”، إذ يمتنع السائقون عن المرور بدعوى سوء حالة الطريق. لقد قضيت اليوم بطوله في المحطة بلا طعام ولا دواء، وأحيانا أضطر إلى المبيت أو الانتظار حتى الصباح لنُقل عبر مسالك أخرى أطول».

وتضيف المتحدثة: «كل ما نطالب به المسؤولين هو إصلاح هذه الطريق. لا نريد شيئا آخر سوى حقنا البسيط في التنقل».

وينقل ابن المنطقة أحمد بن عثمان تفاصيل طوق العزلة وتداعياته على المعيش اليومي، موضحا كيف تحول هذا الشريان إلى عقبة يومية شاقة، قائلا: «نعيش عزلة حقيقية. نخرج إلى الطريق وننتظر ساعة أو ساعتين دون جدوى، فنضطر في النهاية إما إلى الركوب في شاحنات البضائع غير الآمنة، مثل “البيكوب”، أو العودة أدراجنا إلى المنازل. لقد أصبح الأطفال يتعطلون عن دراستهم، والمرضى لا يجدون وسيلة تنقلهم لتلقي الإسعافات في الوقت المناسب».

أموال تهدر وهجرة عكسية للمشاريع

مصدر الصورة

لم تتوقف تداعيات الأزمة الطرقية بجماعة سيدي عبد الرزاق عند معاناة المواطنين ومهنيي النقل، بل امتدت لتثقل كاهل القطاع الفلاحي والاستثماري في «سيدي عمر»، إذ تحول اقتناء الأراضي وإنشاء الضيعات الحديثة بالنسبة إلى عدد من المستثمرين إلى واقع مرهق ومحفوف بالخسائر، جراء تعقد العمليات اللوجستية وصعوبة التنقل.

وفي هذا السياق، يكشف عبد الرحيم الحمري، وهو مستثمر شاب اختار الاستقرار بالمنطقة، حجم التكاليف التي تواجه المشاريع الفلاحية، قائلا: «استقريت هنا منذ عامين ونصف بهدف الاستثمار الفلاحي وإقامة مشروع شخصي، لكنني اضطررت إلى تغيير أربعة إطارات لسيارتي خلال شهرين فقط، بكلفة تتجاوز 6000 درهم».

هذا الاستنزاف المالي والنفسي بات، وفق المتحدث، يدفع نحو هجرة عكسية للمشاريع، إذ يستطرد الحمري بنبرة ملؤها التحذير والحرقة: «هناك جيران اضطروا إلى التخلي عن منازلهم ومزارعهم، وباعوا ممتلكاتهم وغادروا المنطقة نهائيا بسبب هذه الطريق. لم يعد بإمكاننا جلب التجهيزات الفلاحية أو تسويق المحاصيل بالسهولة المطلوبة، حتى أصبح الاستثمار هنا مجازفة غير محسوبة».

ويضيف عبد الرحيم: «رسالتي إلى المسؤولين بسيطة: تعالوا وجربوا المرور من هنا لمدة أسبوع واحد فقط لتستوعبوا حجم المعاناة التي نعيشها».

وعلى النحو ذاته، يتقاطع طرح مستثمر آخر، وافد من إحدى المدن الكبرى، مع هذه المخاوف، مؤكدا أن ضعف البنية التحتية يضر بالجاذبية الاستثمارية للمنطقة، إذ يوضح قائلا: «المنطقة تتمتع بطبيعة خلابة، واستقطبت العديد من أبناء المدن الكبرى، كالدار البيضاء والرباط، للإقامة والاستثمار، لكن غياب مسلك طرقي آمن يجهض كل جهود التنمية. فالطريق هي البداية الضرورية قبل أي مرفق آخر، وبدونها لا يمكن لأي مشروع أن يحقق النجاح المرجو».

أنابيب ضخمة تعرقل السير

مصدر الصورة

لا تقف حدود هذه المعاناة الطرقية عند محور «سيدي عمر»، بل لا تشكل سوى فصل من فصول معضلة أعمق ترخي بظلالها على مختلف جماعات دائرة تيفلت. فكلما اتجه السير نحو مقطع آخر، برزت مشاكل جديدة واتخذ ضعف البنية الطرقية أشكالا متعددة.

فعلى طول المحور المؤدي إلى جماعة «علال المصدر»، يصطدم مستعملو الطريق بمشهد لافت من المشاكل اللوجستية، حيث ترابض أنابيب ضخمة وسط المقطع الطرقي، مرتبطة بمنشآت لتصريف مياه الأمطار، غير أنها تحولت إلى عوائق إضافية أمام حركة السير.

وبنبرة يطغى عليها التأسف، يوضح سعيد الوافي، من ساكنة المنطقة: «الطريق مغشوشة منذ إنشائها، وتدهورت كليا خلال السنوات الأخيرة، وفي فصل الشتاء تتقطع سبل المرور وتغرق المركبات في الوحل، ناهيك عن القناطر المتوقفة عن الإنجاز منذ أشهر، والتي تمنع حتى الشاحنات من العبور».

وبين حفر عميقة وقناطر مرتجلة وممرات ضيقة، غدا المرور عبر هذه المحاور الطرقية مجازفة يومية تتطلب من السائقين حذرا شديدا لتفادي الحفر من جهة، والأنابيب والمطبات من جهة أخرى، ما يطرح علامات استفهام حول نجاعة المشاريع المنفذة ومدى جدية المراقبة، في انتظار تدخل تنموي حقيقي يعيد إلى هذه المسالك صفة الطرق، وإلى المواطنين حقهم المشروع في التنقل الآمن.

مصدر الصورة

لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
العمق المصدر: العمق
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا