بلغت قيمة تجارة السلع بين المغرب وثلاثة من أبرز شركائه، فرنسا وإسبانيا والصين، نحو 78.97 مليار دولار خلال سنة 2025، وفق تقرير حديث صادر عن البنك الإفريقي للتصدير والاستيراد “أفريكسيم بنك”، كشف استمرار تركز المبادلات التجارية للمملكة في عدد محدود من الأسواق الخارجية.
وبحسب تقرير “خرائط التجارة الإفريقية 2026″، الذي اطلعت عليه “العمق”، بلغت تجارة المغرب مع فرنسا 33.16 مليار دولار، فيما وصلت المبادلات مع إسبانيا إلى 30.15 مليار دولار، ومع الصين إلى 15.66 مليار دولار.
وتتعلق هذه الأرقام بإجمالي تجارة السلع، أي مجموع الصادرات والواردات بين المغرب وكل شريك، وليست بقيمة الصادرات المغربية وحدها، إذ اعتمد التقرير بيانات سنة 2025 لتتبع توزيع تجارة الاقتصادات الإفريقية بحسب البلدان الشريكة والمنتجات والمناطق الجغرافية.
وتكشف الأرقام أن فرنسا وإسبانيا استحوذتا معا على مبادلات بقيمة 63.31 مليار دولار مع المغرب، بما يعكس استمرار الثقل الكبير للسوق الأوروبية في التجارة الخارجية للمملكة، بينما عززت الصين حضورها شريكا تجاريا رئيسيا للمغرب بقيمة تتجاوز 15.6 مليار دولار.
ويأتي المغرب ضمن مجموعة محدودة من الاقتصادات الإفريقية التي سجلت علاقات تجارية ثنائية مرتفعة القيمة، إلى جانب جنوب إفريقيا ومصر ونيجيريا وعدد من الاقتصادات الكبرى في القارة.
وسجلت جنوب إفريقيا، وفق التقرير، تجارة بقيمة 37.45 مليار دولار مع الصين و15.95 مليار دولار مع الولايات المتحدة، بينما بلغت مبادلات مصر مع الصين 17.24 مليار دولار ومع الولايات المتحدة 15.64 مليار دولار.
وأوضح “أفريكسيم بنك” أن خريطة التجارة الإفريقية تؤكد وجود نمط شديد التركز، إذ تستحوذ مجموعة صغيرة من البلدان والشركاء على الجزء الأكبر من العلاقات التجارية الثنائية، في حين تسجل اقتصادات إفريقية أصغر، خصوصا الدول غير الساحلية، قيما محدودة مع معظم شركائها.
ويربط التقرير هذه الفجوات باختلاف حجم الأسواق والقدرات الإنتاجية ومستوى الارتباط بالشبكات اللوجستية، مشيراً إلى أن ضعف البنيات التحتية وارتفاع كلفة النقل والعبور يحدان من قدرة عدد من الدول الإفريقية على توسيع تجارتها وتنويع وجهاتها.
وبرزت الصين باعتبارها الشريك الخارجي الأهم لمجموعة واسعة من الاقتصادات الإفريقية خلال 2025، إذ لم يقتصر حضورها على علاقاتها الكبرى مع المغرب وجنوب إفريقيا ومصر، بل سجلت مبادلات مهمة مع نيجيريا وتنزانيا وأوغندا وغانا وزامبيا.
وبلغت تجارة نيجيريا مع الصين 6.10 مليارات دولار، مقابل 5.34 مليارات دولار لتنزانيا و4.74 مليارات لأوغندا و5.03 مليارات لغانا و5.99 مليارات لزامبيا، وفق البيانات التي أوردها التقرير.
وفي المقابل، حافظ شركاء تقليديون آخرون على وزنهم داخل مناطق أو قطاعات بعينها، إذ بلغت تجارة جنوب إفريقيا مع ألمانيا 16.95 مليار دولار ومع اليابان 8.05 مليارات دولار، بينما ظلت الهند أكبر شريك ثنائي لنيجيريا بقيمة 8.14 مليارات دولار، إلى جانب مبادلات نيجيرية هولندية بلغت 6.18 مليارات دولار.
ويظهر موقع فرنسا وإسبانيا في تجارة المغرب خصوصية بنية المبادلات الخارجية للمملكة مقارنة بعدد من الاقتصادات الإفريقية الأخرى، إذ تجمع المملكة بين ارتباط قوي بالسوق الأوروبية وصعود متزايد للصين داخل شبكة شركائها التجاريين.
ووضع التقرير المغرب ضمن مجموعة صغيرة من الاقتصادات الإفريقية ذات الصادرات الصناعية المتنوعة نسبيا، إلى جانب مصر وجنوب إفريقيا وتونس وموريشيوس وإسواتيني وليسوتو.
وأوضح أن الصادرات المصنعة أصبحت أكثر وضوحا داخل هذه الاقتصادات مقارنة بدول إفريقية ما تزال صادراتها تعتمد بدرجة كبيرة على المواد الأولية والمحروقات والمنتجات المعدنية أو الفلاحية.
وتشير خريطة تركيب الصادرات إلى أن عددا واسعا من الاقتصادات الإفريقية ما يزال يعتمد على فئة محدودة من المنتجات؛ إذ تهيمن المحروقات على صادرات الجزائر وأنغولا وتشاد والكونغو والغابون وليبيا ونيجيريا والسودان، بينما تحظى المنتجات الفلاحية والغذائية بوزن أكبر في صادرات دول مثل بنين وبوركينا فاسو وكوت ديفوار وإثيوبيا وكينيا والسنغال وتنزانيا.
ورغم بروز صادرات صناعية في المغرب وعدد محدود من الدول، خلص التقرير إلى أن المنتجات ذات القيمة المضافة المرتفعة، ومنها الآلات ومعدات النقل والإلكترونيات ومعدات الاتصالات والأدوية، ما تزال محدودة في معظم الاقتصادات الإفريقية.
وتبدو بنية الواردات الإفريقية أكثر تنوعاً من الصادرات، لكنها تكشف، بحسب المصدر ذاته، اعتمادا هيكليا على المنتجات المصنعة ذات القيمة المضافة، وفي مقدمتها الآلات ومعدات النقل والتجهيزات الصناعية والسيارات، إلى جانب الوقود والمواد الغذائية والمنتجات الكيميائية.
وسجل التقرير أن هذه المفارقة تعكس استمرار عجز القارة في التصنيع وخلق القيمة المضافة؛ ففي الوقت الذي تهيمن فيه المواد الأولية على صادرات أجزاء واسعة من إفريقيا، تتكون نسبة مهمة من وارداتها من السلع المصنعة والتجهيزات ذات القيمة الأعلى.
وعلى مستوى التجارة داخل القارة، أدرج التقرير المغرب ضمن الاقتصادات الكبرى والأكثر ارتباطا بالشبكات التجارية الإفريقية، إلى جانب جنوب إفريقيا ومصر ونيجيريا وكينيا وتنزانيا وزامبيا والكونغو الديمقراطية وكوت ديفوار وغانا وموزمبيق وناميبيا وبوتسوانا.
وأوضح أن حجم السوق والقرب الجغرافي وجودة الربط اللوجستي والاندماج في سلاسل القيمة الإقليمية عوامل تحدد قوة العلاقات التجارية بين بلدان القارة، بينما لا تزال المبادلات الإفريقية البينية موزعة بصورة غير متوازنة.
ودعا “أفريكسيم بنك” إلى تسريع تنويع الصادرات وتقليص القيود اللوجستية وتكاليف العبور عبر الحدود، فضلاً عن تقوية سلاسل القيمة الإقليمية في إطار منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية.
كما شدد على ضرورة تحسين البنيات التحتية الداعمة للتجارة ورفع كفاءة الإدارات الجمركية في مختلف أنحاء القارة، بما يسهم في تعزيز المبادلات الإفريقية البينية وتقليص انكشاف الاقتصادات الإفريقية أمام التقلبات التي تعرفها الأسواق الخارجية.
وتظهر معطيات التقرير أن المغرب راكم علاقات تجارية كبيرة مع فرنسا وإسبانيا والصين، ورسخ موقعه ضمن الاقتصادات الإفريقية الأكثر تنوعاً من حيث الصادرات الصناعية، غير أن تركز قرابة 79 مليار دولار من تجارته في ثلاثة شركاء يعكس في الوقت نفسه استمرار رهانه الواسع على عدد محدود من الأسواق الخارجية.
المصدر:
العمق