لم يعد انتشار مقاطع الفيديو القصيرة مجرد وسيلة للترفيه وقضاء الوقت، بل تحول إلى ظاهرة رقمية تستدعي اهتماماً متزايداً، خصوصاً في ظل الإقبال الكبير للأطفال والمراهقين على منصات تعتمد على المحتوى السريع والمتجدد باستمرار، فمع تكرار الانتقال من مقطع إلى آخر خلال ثوانٍ معدودة، تبرز تساؤلات حول انعكاسات هذا النمط من الاستهلاك الرقمي على قدرة الطفل على التركيز، واستيعاب المعلومات، والتحكم في الانفعالات، والتفاعل مع محيطه الواقعي.
وتزداد حساسية هذه الظاهرة بالنظر إلى أن مرحلة الطفولة والنمو تشهد تطوراً مستمراً في القدرات المعرفية والعاطفية والاجتماعية، ما يجعل طبيعة البيئة التي يعيش فيها الطفل، بما فيها استخدام الأجهزة والشاشات، عاملاً يستحق المتابعة من جانب الأسرة والمختصين.
وفي هذا السياق، يطرح الاستخدام المفرط للمحتوى الرقمي السريع تحديات جديدة أمام الآباء، خاصة عندما تصبح الشاشة وسيلة دائمة لإشغال الطفل أو تهدئته، على حساب أنشطة أخرى ضرورية لنموه.
ولا يرتبط النقاش فقط بمدة استعمال الأجهزة، وإنما أيضاً بطبيعة المحتوى وطريقة استهلاكه، إذ إن الانتقال المستمر بين مقاطع قصيرة ومختلفة قد يجعل الطفل أكثر اعتياداً على الاستثارة السريعة والمكافأة الفورية، وهو ما يثير أسئلة حول علاقته بالأنشطة التي تتطلب وقتاً أطول وتركيزاً متواصلاً، مثل القراءة والدراسة واللعب التفاعلي والتواصل المباشر مع الأسرة والأقران.
وفي هذا الصدد، أكد الأخصائي النفسي، عادل الحسني أن مرحلة نمو الطفل تتميز بكون مجموعة من الوظائف الدماغية، وفي مقدمتها تلك المرتبطة بالتركيز والتحكم في الدوافع، لا تزال قيد التطور، موضحاً أن التعرض المتكرر للمحتوى سريع الإيقاع قد يدفع الدماغ إلى الاعتياد على الاستثارة والمكافأة الفورية، بما قد ينعكس على قدرة الطفل على التركيز في المهام التي تتطلب وقتاً وجهداً متواصلين.
واعتبر الحسني، في حوار مع “العمق المغربي”، أن التعامل مع الاستخدام المفرط للشاشات لا ينبغي أن يقوم بالضرورة على المنع المفاجئ، بل يمكن أن يعتمد على التدرج واستبدال المحتوى الرقمي بأنشطة حسية وحركية ومعرفية، مشدداً في المقابل على ضرورة الانتباه إلى بعض المؤشرات السلوكية والنمائية التي تستوجب تدخلاً سريعاً وتقييماً متخصصاً.
وفي ما يلي نص الحوار كاملاً:
كيف تعيد الفيديوهات القصيرة تشكيل الخريطة العصبية لدماغ الطفل في مرحلة النمو؟
في مرحلة النمو، تكون القشرة الجبهية، المسؤولة عن التحكم في الدوافع والتركيز، قيد التشكّل. والتنقل السريع بين المقاطع يخلق ما يُعرف بـ”حلقة الدوبامين السريع”، حيث يمنح كل فيديو الدماغ “دفقة” كيميائية خاطفة مرتبطة بنظام المكافأة.
ومع التكرار، تعيد المرونة العصبية تشكيل بعض الشبكات الدماغية للتأقلم مع الاستثارة السريعة والمتكررة، وهو ما قد يجعل الطفل أكثر ميلاً إلى المكافآت الفورية وأقل تحملاً للأنشطة التي تتطلب تركيزاً مستمراً وجهداً متواصلاً.
ما الذي يحدث في كيمياء المخ عند تنقل الطفل بين فيديو وآخر في ثوانٍ معدودة؟
يُطلق على هذه الحالة أحياناً تعبير “دماغ الذرة المقلية” (Popcorn Brain)، في إشارة إلى اعتياد الذهن على إيقاع سريع من الانتقال المستمر بين المثيرات.
وعندما يواجه الطفل بيئة تعليمية بطيئة النسق، مثل قراءة كتاب، أو الاستماع إلى المعلم، أو حل مسألة رياضية، فقد يجد صعوبة أكبر في الحفاظ على انتباهه، وتظهر مجموعة من المؤشرات، من بينها:
– تشتت الذاكرة العاملة: صعوبة الاحتفاظ بالمعلومات في الذهن لفترة كافية لمعالجتها.
– الاستيعاب السطحي: تراجع القدرة على التركيز في النصوص أو الأفكار التي تتطلب وقتاً أطول للفهم والتحليل.
– ضعف تحمل الإحباط: الميل إلى الاستسلام بسرعة أمام المهام التي لا تقدم نتيجة أو مكافأة فورية.
ما الدور الذي يلعبه الآباء في تفاقم هذه الظاهرة؟
يكمن المشكل الأساسي في استخدام الشاشة كـ”مصاصة رقمية” لإسكات الطفل أو إشغاله أثناء انشغال الوالدين بمهامهما اليومية، إضافة إلى ما يمكن وصفه بـ”النمذجة السلبية”، عندما يشاهد الطفل والديه يقضيان ساعات طويلة في التصفح العشوائي، فيتعامل مع هذا السلوك باعتباره أمراً طبيعياً وجزءاً من الحياة اليومية.
ما الخطة العملية لسحب الطفل من هذا الاستخدام المفرط دون التسبب في صدمة سلوكية؟
القطع المفاجئ قد يؤدي إلى ردود فعل سلوكية قوية لدى بعض الأطفال. لذلك، يمكن اعتماد خطة تقوم على التدرج والاستبدال، من خلال مجموعة من الخطوات العملية، من بينها:
– تقليص وقت الشاشة: تقليل مدة الاستخدام بنسبة 20 في المائة كل ثلاثة أيام، بدلاً من فرض حظر فوري.
– تحفيز الحواس البديلة: توفير أنشطة مثل ألعاب الصلصال، وألعاب الفك والتركيب، والأنشطة الرياضية، لتعويض الاعتماد على الاستثارة الرقمية.
– استعادة التفكير المتسلسل: التدرج في قراءة القصص المصورة لمدة 10 دقائق يومياً، لبناء مهارة التخيل والتفكير بوتيرة أبطأ.
ما الخطوط الحمراء التي تستدعي فرض حظر تام وفوري؟
يتوجب الحظر التام المباشر دون تدرج في ثلاث حالات حادة:
– التأخر النمائي: ظهور تراجع ملحوظ في النطق أو المهارات الاجتماعية مقارنة بالأقران.
– العدوانية الشديدة: ممارسة العنف الجسدي أو إيذاء النفس عند محاولة سحب الهاتف.
– اضطرابات النوم الجسيمة: الأرق المزمن أو الكوابيس الناتجة عن فرط الاستثارة قبل النوم.
المصدر:
العمق