يحتفل المغاربة، اليوم الجمعة 21 غشت، بذكرى عيد الشباب، في سياق يضع قضية الشباب في صلب أحد أبرز الرهانات الاقتصادية والاجتماعية للمغرب، ليس فقط من زاوية التشغيل والإدماج، وإنما أيضاً من حيث قدرة الاقتصاد الوطني على تحويل الرأسمال البشري إلى قوة منتجة تساهم في رفع الإنتاجية وتحقيق النمو وصناعة مستقبل أكثر استدامة.
وبمناسبة هذه الذكرى، قال الدكتور المهدي قيل، أستاذ محاضر في الاقتصاد والتدبير، وباحث رئيسي ضمن مشروع بحثي قاري إفريقي حول قطاع المنظمات غير الربحية وتشغيل الشباب في إفريقيا، إن الاحتفاء بعيد الشباب أعاد إلى الواجهة سؤالا يتجاوز البعد الرمزي للمناسبة، ويتعلق بكيفية تحويل الشباب المغربي إلى رأسمال بشري قادر على تحريك عجلة الاقتصاد الوطني وصناعة مستقبل المملكة.
وأوضح قيل، في تصريح خاص لـ”العمق”، أن ثروة الدول في الاقتصاد المعاصر لم تعد تقاس فقط بما تتوفر عليه من موارد طبيعية أو بنيات تحتية أو استثمارات مادية، وإنما أيضا بقدرتها على تكوين الإنسان، وتحويل المعرفة والمهارات والصحة والإبداع إلى إنتاجية وقيمة مضافة.
وأضاف أن الشباب لا ينبغي النظر إليهم باعتبارهم فئة تحتاج إلى التشغيل والدعم فقط، بل باعتبارهم أصلا استراتيجيا من أصول الاقتصاد الوطني، مشيرا إلى أن المغرب راكم خلال العقود الأخيرة استثمارات مهمة في البنيات التحتية والصناعة والطاقات المتجددة والرقمنة والحماية الاجتماعية.
غير أن المرحلة المقبلة، بحسب الباحث، تطرح سؤالا أكثر تعقيدا يتعلق بكيفية تحويل هذه التراكمات المادية إلى نمو مستدام من خلال الاستثمار الأمثل في الشباب.
وقال قيل إن أحدث مؤشرات سوق العمل كشفت حجم هذا الرهان، موضحا أنه خلال الفصل الثاني من سنة 2026 بلغ معدل مشاركة الشباب بين 15 و24 سنة في سوق العمل 22.9 في المائة فقط، مقابل 56.8 في المائة لدى الفئة العمرية 25-34 سنة، فيما لم يتجاوز معدل التشغيل مقابل دخل لدى الفئة العمرية 15-24 سنة 16.6 في المائة.
وأضاف أن معدل البطالة الصارمة لدى الفئة نفسها بلغ 27.2 في المائة، مقابل 14.5 في المائة لدى الفئة العمرية 25-34 سنة، فيما بلغ معدل عدم الاستخدام الكامل للقوة العاملة 41.7 في المائة لدى الشباب بين 15 و24 سنة، وهو أعلى مستوى بين الفئات العمرية.
ولفت الباحث إلى أن الإشكال لا يتوقف عند البطالة، مستشهدا بمعطيات المندوبية السامية للتخطيط حول الشباب خارج العمل والتعليم والتكوين، المعروفين اختصارا بـNEET.
وأوضح أن المغرب كان يضم سنة 2023 نحو 2.9 مليون شاب تتراوح أعمارهم بين 15 و29 سنة خارج العمل والتعليم والتكوين، أي ما يمثل 33.6 في المائة من هذه الفئة العمرية، مضيفاً أن أكثر من 72 في المائة من هؤلاء كانوا نساء، فيما لم يكن 76 في المائة منهم يتوفرون على شهادة مؤهلة.
واعتبر قيل أن هذه المعطيات كشفت عن “تكلفة اقتصادية صامتة”، موضحا أن كل سنة يقضيها شاب خارج التعليم أو التكوين أو الإنتاج لا تعني فقط دخلا فرديا ضائعا، وإنما تعني أيضاً إنتاجية وطنية غير مستغلة، ومساهمات أقل في الضرائب والحماية الاجتماعية والادخار، فضلا عن تراكم أضعف للخبرة المهنية.
وفي ما يتعلق بالمقارنة مع دول إفريقية أخرى، قال الباحث إن المقارنات الدولية تساعد على وضع الحالة المغربية في سياقها، لكن شرط توحيد المنهجية.
وأوضح أن تقديرات ILOSTAT المنقولة عبر البنك الدولي لسنة 2024 أظهرت أن معدل بطالة الشباب بين 15 و24 سنة بلغ نحو 22.4 في المائة في المغرب، مقابل 38.9 في المائة في تونس ونحو 60.2 في المائة في جنوب إفريقيا، بينما بلغ 16.6 في المائة في رواندا و3.9 في المائة في السنغال.
غير أن قيل شدد على أن انخفاض معدل البطالة لا يعني بالضرورة سوق عمل أكثر كفاءة، مستدلا بحالة السنغال، التي سجلت، وفق المصدر نفسه، بطالة شبابية منخفضة نسبيا، بينما بلغت نسبة الشباب خارج العمل والتعليم والتكوين فيها 35.2 في المائة.
وأوضح أن المؤشر الحقيقي لنجاح السياسات الشبابية لا يتمثل في عدد الأشخاص المصنفين إحصائيا كعاطلين فقط، وإنما يشمل أيضا جودة العمل، والإنتاجية، والاستقرار المهني، ومدى قدرة الاقتصاد على تحويل الشباب إلى منتجين للقيمة.
ولهذا، شدد على ضرورة التمييز بين بيانات المندوبية السامية للتخطيط الجديدة لسنة 2026، التي اعتمدت مفهوم “البطالة الصارمة” ومنهجية EMO2026، وبين الأرقام الدولية النموذجية لسنة 2024، معتبرا أن المقارنة المباشرة بينها غير سليمة منهجيا، مشيرا إلى أن المندوبية السامية للتخطيط أكدت أن نتائج EMO2026 ليست قابلة للمقارنة مباشرة مع السلاسل السابقة دون استخدام البيانات المعاد احتسابها.
واعتبر قيل أن التحدي الأكبر لا يرتبط فقط بأرقام سوق العمل الحالية، وإنما أيضا بما ستؤول إليه البنية الديمغرافية للمغرب خلال العقود المقبلة، مشيرا إلى أن أحدث إسقاطات المندوبية السامية للتخطيط للفترة 2024-2060 كشفت أن المغرب يتجه تدريجيا نحو مجتمع أكثر شيخوخة.
وأوضح أنه في سنة 2024 كان الأشخاص الذين تقل أعمارهم عن 15 سنة يمثلون 26.4 في المائة من السكان، مقابل 13.6 في المائة لمن يبلغون 60 سنة فما فوق، مضيفا أنه بحلول سنة 2040، ووفق السيناريو المتوسط، ستتغير المعادلة بشكل كبير، إذ ستنخفض حصة الفئة دون 15 سنة إلى 19.2 في المائة، في حين سترتفع حصة الأشخاص البالغين 60 سنة فأكثر إلى 19.5 في المائة.
واعتبر أن سنة 2040 ستشكل نقطة انقلاب رمزية في هرم الأعمار المغربي، حين يصبح الوزن النسبي لكبار السن أكبر من وزن الأطفال.
وأضاف أن هذا المسار سيستمر بعد ذلك، إذ يتوقع أن تصل حصة الأشخاص البالغين 60 سنة فأكثر إلى 25.2 في المائة سنة 2060، وأن يرتفع عددهم من نحو 5 ملايين سنة 2024 إلى قرابة 10.9 ملايين شخص.
وفي المقابل، لفت إلى أن عدد الشباب بين 18 و24 سنة، وهم من الفئات المقبلة على سوق العمل، سينخفض من نحو 3.89 ملايين إلى 3.77 ملايين بين 2024 و2060.
وأكد أن الأهم اقتصاديا يتمثل في بلوغ نسبة الإعالة الديمغرافية أدنى مستوى متوقع تقريبا سنة 2035، عند 59.7 في المائة، قبل أن تبدأ في الارتفاع مجددا لتصل إلى 63.2 في المائة سنة 2040 و72.2 في المائة سنة 2050.
واعتبر أن هذه المعطيات تجعل الفترة الممتدة بين 2026 و2035 “عقدا استراتيجيا” للرأسمال البشري المغربي، مشددا على أن النافذة الديمغرافية لا تبقى مفتوحة إلى ما لا نهاية.
وأضاف أنه إذا لم يتحول شباب اليوم إلى قوة منتجة ومدخرة ومساهمة في أنظمة الحماية الاجتماعية، فإن المغرب قد يدخل مرحلة الشيخوخة دون الاستفادة الكاملة من العائد الديمغرافي الذي يتمتع به حاليا.
وبحسب قيل، فإن معالجة الإشكالية الشبابية تستوجب تجاوز منطق البرامج المتفرقة نحو استراتيجية وطنية متكاملة لإنتاجية الشباب.
وأوضح أن أولى الأولويات تتمثل في تقوية الصلة بين التعليم وسوق العمل، مشددا على أنه لا يكفي قياس أداء الجامعات ومؤسسات التكوين بعدد الخريجين، وإنما ينبغي قياسه أيضاً بسرعة اندماجهم، وجودة وظائفهم، ومدى ملاءمة تخصصاتهم لحاجات الاقتصاد.
وأضاف أن المغرب يحتاج كذلك إلى توجيه كتلة أكبر من المهارات نحو القطاعات التي يملك فيها إمكانات تنافسية مستقبلية، من بينها الصناعات المتقدمة، والسيارات والطيران، والطاقات المتجددة، والصناعات الدوائية، والصحة، والاقتصاد الرقمي، والذكاء الاصطناعي، والخدمات العابرة للحدود، والصناعات الثقافية والإبداعية.
وفي ما يتعلق بالشباب خارج العمل والتعليم والتكوين، شدد الباحث على ضرورة اعتماد سياسة خاصة قائمة على التشخيص بدل التعميم.
وأوضح أن الشاب المنقطع عن الدراسة ليس في الوضع نفسه الذي يوجد فيه خريج جامعي عاطل، أو شابة خارج سوق العمل بسبب الالتزامات الأسرية، وبالتالي فإن لكل فئة أدوات مختلفة، تشمل استكمال الدراسة، والتكوين القصير، والتدريب داخل المقاولات، والتشغيل أو دعم المبادرة الفردية.
وفي ما يتعلق بريادة الأعمال، قال قيل إن فلسفة دعم المقاولات الشبابية تحتاج بدورها إلى التطوير، مؤكدا أن الهدف لا ينبغي أن يقتصر على تمويل إنشاء أكبر عدد ممكن من المقاولات، وإنما ضمان بقائها ونموها وقدرتها على خلق فرص الشغل.
وأوضح أن ذلك يتطلب توفير المواكبة، وتسهيل الولوج إلى التمويل والأسواق والطلب العمومي والتكنولوجيا، حتى تتمكن المقاولات التي يقودها الشباب من الانتقال من مجرد مشاريع ناشئة إلى وحدات اقتصادية قادرة على الاستمرار وخلق القيمة.
وأضاف أن الاستشراف يفرض كذلك إعداد شباب اليوم لاقتصاد الغد، بما في ذلك ما وصفه بـ”اقتصاد الشيخوخة” أو “الاقتصاد الفضي”.
وأشار إلى أن ارتفاع عدد كبار السن سيخلق طلبا متناميا على الصحة وطب الشيخوخة والرعاية المنزلية والتكنولوجيا الصحية والتأمين والسكن والخدمات الرقمية الموجهة إلى المسنين، معتبرا أن هذا التحول الديمغرافي يمكن أن يتحول من تحدٍ مستقبلي إلى مجال جديد للاستثمار وخلق فرص العمل أمام الشباب.
وفي سياق آخر، أكد الباحث أن مستقبل الشباب لا يمكن اختزاله في الاقتصاد والتكنولوجيا فقط، بالنظر إلى التحولات المتسارعة التي يعرفها العالم على مستوى منظومات القيم وأنماط الاستهلاك والتواصل والعمل.
وأوضح أن المنصات الرقمية والذكاء الاصطناعي جعلا الحدود الثقافية أكثر نفاذاً من أي وقت مضى، معتبراً أن المطلوب ليس الانغلاق أمام هذه التحولات، وإنما تكوين شباب “عالمي في كفاءاته، مغربي في مرجعيته”.
وأضاف أن الحفاظ على قيم الأسرة والتضامن والاعتدال والانتماء الوطني والتنوع الثقافي المغربي لا يتعارض مع الحداثة والابتكار، بل يمثل جزءا من الرأسمال الاجتماعي الذي تحتاج إليه المجتمعات للحفاظ على الثقة والتماسك والاستقرار بين الأجيال.
وخلص قيل إلى أن التحدي لا يتمثل في أن يبقى المغرب مجتمعا شابا إلى الأبد، لأن ذلك غير ممكن ديمغرافيا، وإنما في أن يصل إلى مرحلة الشيخوخة بعد أن يكون أكثر إنتاجية وابتكارا وازدهارا بفضل شباب اليوم.
وأكد أن السنوات المقبلة ستكون حاسمة، موضحا أن الخيار يتمثل في تحويل الكتلة الشبابية الحالية إلى رأسمال بشري منتج، أو فقدان جزء مهم من العائد الديمغرافي قبل أن تبدأ نافذة الفرصة في الانغلاق.
وشدد على أن الشباب ليسوا فقط مستقبل المغرب، بل إنهم، بالمعنى الاقتصادي الدقيق، أحد أهم الاستثمارات التي ستحدد نوعية هذا المستقبل.
المصدر:
العمق