آخر الأخبار

28 عريسا وعروسا.. قصر “عمار” بتنغير يحيي أعراسا جماعية تصون ذاكرة الجنوب الشرقي (فيديو)

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

في قصر عمار، التابع لجماعة ألنيف بإقليم تنغير، لم يكن المشهد مساء 8 غشت مختلفا عن أعراس الجنوب الشرقي فقط بسبب عدد العرسان. في فضاء واحد، اجتمعت 14 عروسا و14 عريسا، بينما كانت العائلات تتوافد على مكان الاحتفال، وأصوات أحيدوس تستعيد إيقاعا ارتبط، لسنوات طويلة، بذاكرة المنطقة.

على مدى يومي 8 و9 غشت 2026، أعاد قصر عمار إحياء تقليد «تيمغريوين إيمان»، أو الأعراس الجماعية، في مبادرة أشرفت عليها جمعية “تامونت” للتنمية والأعمال الاجتماعية والخيرية، وحضرها أبناء المنطقة والقصور والدواوير المجاورة، إلى جانب عدد من أفراد الجالية المغربية المقيمة بالخارج.
مصدر الصورة
لكن خلف مشاهد الفرح، كان هناك رهان آخر رفعه المنظمون وهو إبقاء طقوس الزواج الجماعي حاضرة في منطقة تغيرت فيها أنماط الاحتفال، وتكاليف الزواج، وعلاقات الناس بالمكان.

اختارت الجمعية لهذه الدورة شعار «الأعراس الجماعية: تثمين للتراث الأمازيغي واستدامة لموروثه الأصيل»، في محاولة لربط المناسبة بوظيفتها الاجتماعية والثقافية، وليس فقط باعتبارها موعداً سنوياً للاحتفال.

عرس واحد بدل 14

بالنسبة إلى يدير بن عمر، الفاعل الجمعوي ورئيس اللجنة التنظيمية، فإن الفكرة تبدو بسيطة: لماذا تتحمل كل أسرة بمفردها تكاليف ومجهود تنظيم عرس منفصل، بينما يمكن أن يجتمع عدد من الأزواج في مناسبة واحدة؟
مصدر الصورة
يقول بن عمر في حديث مع جريدة “العمق”، إن جمعية تامونت دأبت على تنظيم «تيمغريوين إيمان» لما تحمله من أبعاد اجتماعية وثقافية واقتصادية وإنسانية، مشيراً إلى أن الأعراس الجماعية تسمح بتقاسم جزء من الأعباء، من دون أن تفقد الأسر طقوس الاحتفال بالزواج.

لكن الحساب هنا لا يتوقف عند عدد الأزواج. فالمناسبة، كما يشرح منظموها، توفر للأسر فضاء مشتركا للاحتفال، وتعيد إلى الواجهة تقليدا كان جزءاً من الحياة الاجتماعية في المنطقة.
مصدر الصورة
انصهار مجتمعي

في ساحة العرس، تتراجع بعض الفوارق التي تظهر عادة في المناسبات الخاصة، فالأستاذ يجلس إلى جانب الفلاح، والعامل إلى جانب المهندس، وأبناء الأسر المهاجرة يلتقون بأقاربهم وأبناء المنطقة. الجميع يحضر المناسبة نفسها، ويتابع الطقوس ذاتها، ويتقاسم أجواء الاحتفال نفسها.

بالنسبة إلى بن عمر، يمثل ذلك أحد الأبعاد الأساسية للأعراس الجماعية، لأنها تخلق نوعا من الانصهار المجتمعي، وتجمع مختلف مكونات المنطقة في مناسبة واحدة.
مصدر الصورة
ولا يتعلق الأمر، وفق المنظمين، بإلغاء الفوارق الاجتماعية بقدر ما يتعلق بخلق فضاء مؤقت تتقدم فيه روابط المكان والعائلة والانتماء على الاعتبارات المادية.

وهنا تكتسب الأعراس الجماعية بعدا اقتصاديا أيضا. ففي وقت أصبحت فيه حفلات الزواج أكثر كلفة، تسمح الصيغة الجماعية بتقاسم جزء من المصاريف والتنظيم، وتحويل المناسبة من عبء تتحمله كل أسرة منفردة إلى فرح يتقاسمه المجتمع.

الجالية تعود إلى المكان
مصدر الصورة
كان لشهر غشت، كعادته، دور في رفع عدد الحاضرين. أبناء المنطقة المقيمون في مدن مغربية مختلفة، وأفراد الجالية المقيمة بالخارج، يعودون خلال هذه الفترة إلى مسقط الرأس، وتصبح المناسبات الاجتماعية الكبرى فرصة للقاء.

من بين هؤلاء سعيد أوباري، أحد أبناء المنطقة المقيمين بالسنغال، والذي قال لـ”العمق” إن أفراد الجالية يقطعون مسافات طويلة للعودة إلى وطنهم ومسقط رأسهم، وإن حضور الأعراس الجماعية يمنحهم فرصة للقاء الأقارب والأصدقاء وأبناء المنطقة.

أحيانا، يكون اللقاء نفسه حدثا، فالمناسبة تجمع أشخاصا لم يلتق بعضهم منذ سنوات، وربما عقود، وتحول العرس إلى نقطة لإعادة بناء علاقات عائلية واجتماعية تباعدت بفعل الهجرة وتغير ظروف الحياة.

طقوس تبدأ من الصباح

ما يمنح العرس الجماعي في قصر عمار خصوصيته ليس عدد المشاركين فقط، وإنما الطقوس التي ترافقه.

امحمد أزواي، أحد أعضاء الجمعية المنظمة، يربط هذا التقليد بموروث اجتماعي متجذر في مناطق الجنوب الشرقي، ولا سيما لدى قبائل آيت عطا، حيث كانت الأعراس الجماعية ترتبط في فترات سابقة بانتهاء الموسم الفلاحي.

وتبدأ المراسم بطقوس صباحية، من بينها «أسوغس»، حيث تجتمع العرائس القادمات من مناطق مختلفة، قبل الانتقال إلى فضاء «الخيمة» لاستكمال جانب من المراسم.

وفي المساء، تحضر طقوس الحناء بمشاركة أمهات العرسان، إلى جانب لوحات أحيدوس التي ترافق الاحتفال.

ثم تأتي ليلة خاصة بأحيدوس، تجمع العرائس والعرسان، قبل أن يصل الاحتفال في يومه الأخير إلى طقس «أسوفخ»، حيث تكشف العرائس وجوههن أمام الحاضرين.

بالنسبة إلى أزواي، فإن هذه الطقوس لا تختزل في الجانب الاحتفالي، لأنها تحمل قيماً اجتماعية، من بينها التضامن بين الأسر والمساواة بين العرسان وتوحيد موعد الاحتفال.

ذاكرة لا تريد أن تختفي

في السنوات الأخيرة، تغيرت الكثير من تفاصيل الأعراس في المنطقة. القاعات الحديثة، وتغير أنماط الاحتفال، وارتفاع التكاليف، وتراجع بعض الطقوس التقليدية، كلها عوامل جعلت عددا من المظاهر القديمة مهدداً بالتراجع.

في المقابل، تحاول جمعية “تامونت” من خلال الأعراس الجماعية إعادة بعض تلك الطقوس إلى المجال العام، وربطها بجيل جديد لم يعش بالضرورة تفاصيل الأعراس التي عرفها آباؤه وأجداده. وهنا تصبح المناسبة السنوية أكثر من مجرد موعد للزواج.

إنها، بالنسبة إلى منظميها، طريقة لإعادة الناس إلى المكان، وإعادة الأسر إلى بعضها، وإبقاء طقوس أمازيغية حاضرة في الحياة اليومية بدل أن تتحول إلى مادة للذاكرة أو إلى عرض فولكلوري منفصل عن المجتمع الذي أنجبها.

في قصر عمار، كان 14 عريسا و14 عروسا يحتفلون بزواجهم، لكن العرس كان أكبر من عددهم. فخلف الأغاني وأحيدوس والحناء ولقاءات العائلات، كانت المنطقة تستعيد شيئا من ذاكرتها، وتحاول أن تمنح تقليدا قديما فرصة أخرى للاستمرار.

ذلك أن «تيمغريوين إيمان» ليست فقط طريقة للاحتفال بالزواج، بل أيضا طريقة، كما يقول منظموها، للاحتفال بالمكان والناس والذاكرة.

لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
العمق المصدر: العمق
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا