هبة بريس
وجدت المغربية وفاء، البالغة من العمر 28 عاماً، بعد دخولها إلى سبتة المحتلة في موجة العبور الأخيرة، نفسها في صدارة اهتمام وسائل الإعلام الإسبانية، بعدما تحولت قصتها إلى مادة تستقطب التعاطف والاهتمام، خصوصاً عقب ظهورها في مقابلة مصورة مع صحيفة “إلباييس”.
وفي روايتها أمام الصحيفة، بدت حياة وفاء في المغرب وكأنها سلسلة متصلة من القيود التي فرضتها عليها أسرتها لمجرد كونها امرأة. تحدثت عن عائلة أرادت لها أن تبقى في المنزل، وعن حرمانها من الدراسة والسفر، وعن بيئة تقول إن “الرجال فقط يجب أن يدرسوا”، بينما تُدفع النساء إلى البقاء بعيداً عن الحياة العامة.
غير أن المشكلة تبدأ حين تُوضع هذه الرواية أمام ما بقي موثقاً من حياة صاحبتها نفسها. فالصور التي أعادت صحيفة “لابانديرا” الإسبانية نشرها لا تتحدث عن امرأة لم تعرف طريقها إلى خارج المغرب إلا عندما عبرت البحر نحو سبتة المحتلة.
الصور التي نشرتها “لابانديرا” تكشف أن وفاء تقدم، على الأقل في مراحل من حياتها السابقة، صورة امرأة غادرت البلاد بالفعل، وتنقلت بين دول مختلفة، وظهرت في أماكن سياحية ورياضية خارج المغرب.
وفي صورة من قطر، تظهر وفاء في مدينة لوسيل داخل ملعب، مرتدية ألوان المنتخب المغربي. وفي صورة أخرى، تظهر في باموق قلعة بتركيا، في رحلة تعود إلى شتنبر 2025. كما تشير منشورات أخرى إلى رحلات إلى الإمارات وماليزيا.
ولا يتعلق الأمر بصورة عابرة التقطت في مكان ما، وإنما بسلسلة من المواد المنشورة التي تشير إلى أن السفر خارج المغرب كان جزءاً من حياتها قبل وصولها إلى سبتة المحتلة.
ماضٍ كامل يُختصر في رواية واحدة
الأكثر إثارة في هذه القصة ليس أن وفاء تحدثت عن معاناة أسرية؛ فهذا حقها، ولا يمكن مناقشة تجربة شخصية لمجرد أنها لا تنسجم مع صورة مثالية عن الأسرة. لكن اللافت هو الطريقة التي اختُزل بها ماضيها بمجرد وصولها إلى الضفة الأخرى.
فالمغرب الذي تظهره روايتها ليس بلداً عاشت فيه شابة، اشتغلت، وتعلمت لغات، وسافرت خارجه، وعرفت من الحياة ما يكفي للظهور في صور من بلدان بعيدة؛ وإنما يبدو، في سرديتها أمام الإعلام الإسباني، وكأنه فضاء مغلق لم يكن أمامها فيه سوى البيت، وأسرة تقرر، وامرأة ممنوعة من كل شيء.
وهنا لا يعود السؤال متعلقاً فقط بما إذا كانت الأسرة قد فرضت عليها قيوداً في مرحلة من حياتها، بل بما إذا كان من المشروع تحويل تلك القيود، أياً كان حجمها، إلى صورة شاملة عن حياتها كلها، والحديث بسوء عن الأسرة والوطن ككل في أول نصف فرصة.
فالمرأة التي تظهر في الصور وهي تسافر إلى قطر وتركيا، والتي اشتغلت في الفنادق والمطاعم وتتحدث الإنجليزية ولديها معرفة بالفرنسية وتتجه إلى تعلم الإسبانية، لا تشبه تماماً الصورة المختزلة لامرأة كانت حبيسة منزلها ولا تملك أي منفذ إلى العالم.
حين يصبح السفر إلى الخارج تفصيلاً يجب نسيانه
اللافت أن الرحلات التي توثقها صور منشورة لم تظهر في الرواية الإعلامية التي قدمت بها وفاء نفسها للجمهور الإسباني بوصفها جزءاً من حياتها السابقة. وهذا الصمت مهم بقدر أهمية التصريح نفسه، إذ يكشف جانباً من شخصية الفتاة.
فحين تقدم شابة قصة حياتها باعتبارها رحلة من القيود في المغرب إلى الحرية في أوروبا، فإن معرفة أنها سبق أن سافرت إلى الخارج، وأنها زارت دولاً بعيدة قبل وصولها إلى سبتة المحتلة، ليست تفصيلاً هامشياً. إنها جزء من السياق الذي يحتاجه المتلقي حتى يفهم القصة كاملة.
الأسرة في موقع الاتهام.. من يملك حق الرد؟
الأكثر حساسية في الرواية هو أن الأسرة المغربية ظهرت تقريباً باعتبارها الطرف الوحيد المسؤول عن كل ما قيل إنه عانته وفاء.
اتهامات بالمنع من الدراسة، والمنع من السفر، وإجبارها على البقاء في المنزل، وتصوير النساء على أنهن كائنات ثانوية في الحياة، ثم تقديم هذه الوقائع أمام جمهور إسباني واسع، من دون أن تتاح للعائلة، بحسب المعطيات المتوفرة، المساحة نفسها لعرض روايتها أو تفسيرها.
من قصة شخصية إلى رواية جاهزة
ثمة جانب آخر أكثر دلالة. ففي اللحظة التي وصلت فيها وفاء إلى سبتة، بدا أن جزءاً من حياتها السابقة أصبح يُروى من زاوية واحدة: بلد يقيد، وأسرة تمنع، وامرأة تبحث عن الخلاص.
لكن الصور القديمة تروي قصة أكثر تركيباً. إنها تظهر امرأة عاشت في المغرب، عملت، سافرت، وصلت إلى بلدان بعيدة، وعرفت فضاءات مختلفة، قبل أن تتخذ قرار الوصول إلى سبتة المحتلة بالطريقة التي اختارتها.
المصدر:
هبة بريس