آخر الأخبار

شرارة “ثورة الملك والشعب” .. وجدة وتافوغالت تخلدان الذكرى 73 لانتفاضتي 16 و17 غشت

شارك

في غمرة أجواء الاحتفاء بالذكرى 73 لملحمة ثورة الملك والشعب المجيدة، يخلد الشعب المغربي ومعه أسرة الحركة الوطنية والمقاومة وجيش التحرير، اليوم الأحد، الذكرى 73 لانتفاضة 16 غشت 1953 بوجدة، وانتفاضة 17 غشت 1953 بتافوغالت بإقليم بركان.

وأوضحت المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير، في بلاغ لها بالمناسبة، أن هاتين الانتفاضتين هما محطتان وضاءتان في مسيرة الكفاح الوطني من أجل الحرية والاستقلال، وحدثان بارزان ومتميزان سيظلان موشومين في رقيم الذاكرة التاريخية الوطنية، يجسدان الدور الريادي والطلائعي الذي اضطلع به بطل التحرير والاستقلال والمقاوم الأول جلالة المغفور له محمد الخامس طيب الله ثراه، الذي رفض الخضوع لإرادة الإقامة العامة للحماية الفرنسية الرامية إلى النيل من السيادة الوطنية وتأبيد الوجود الأجنبي والتسلط الاستعماري ببلادنا.

فانتفاضة 16 غشت 1953 التي قادتها صفوة من الوطنيين من أبناء الجهة الشرقية الذين كانوا من السباقين إلى نشر الوعي الوطني واستنبات الأفكار والمبادئ الوطنية، مكنت هذه الربوع المجاهدة من ولوج التاريخ من بابه الواسع، بالنظر لما أسداه أبناؤها من خدمات جلى وتضحيات جسام، فكانت بحق قلعة من قلاع المغرب الصامدة في وجه قوات الاحتلال الأجنبي التي كانت تحاول إحكام نفوذها وسيطرتها على البلاد.

وأضافت المندوبية، أن المغاربة وأبناء المناطق الشرقية قد تصدوا لمحاولات القوى الأجنبية القادمة من الحدود الشرقية غزو بلادهم، وتمكن المرابطون على الحدود من مواجهتها وردها على أعقابها. وفي هذا السياق، نورد مقتطفا من الدرر الثمينة التي خص بها فقيد الأمة والوطن جلالة المغفور له الحسن الثاني مدينة وجدة المناضلة حيث قال رحمه الله في حقها: “… ومنذ ذلك الحين، وتاريخ وجدة في كل سنة أو في كل حقبة كان مقرونا بالصراع الذي كنا نعرفه مدا وجزرا لغزو المغرب من هؤلاء وأولئك …”.

فعلا، كانت مدينة وجدة في قلب الصراع القائم بين المتربصين بحرية الوطن، وبينهم وبين المكافحين من أجل استرداد حريته وعزته وكرامته، وفي طليعتهم بطل التحرير والاستقلال، ورمز المقاومة جلالة المغفور له محمد الخامس، ووارث سره ورفيقه في الكفاح والمنفى جلالة المغفور له الحسن الثاني طيب الله ثراهما.

ولا غرو أن الملابسات التاريخية التي أفرزت حدث انتفاضـة 16 غشت 1953 بوجدة، والأسباب المباشرة المؤدية إلى اندلاعها، تكمن بالأساس في اشتداد الأزمة بين القصر الملكي وسلطات الإقامة العامة للحماية الفرنسية، حيث اشتد الخناق والتضييق على جلالة المغفـور له السلطان محمد بن يوسف لإرغامه على فك الارتباط والابتعاد عن الحركة الوطنية والكف عن التواصل والتفاعل معها، بل والتنكر لها وإدانتها.

غير أن الموقف الشهم والجريء الذي عبر عنه بطل التحرير والاستقلال رضوان الله عليه سيؤدي بسلطات الاحتلال الأجنبي إلى التفكير في نفيه ومعه ولي عهده آنذاك، جلالة المغفور له الحسن الثاني والعائلة الملكية الشريفة.

إثر ذلك، بادر قادة الحركة الوطنية والمقاومة بوجدة إلى الإعداد الدقيق والمحكم لانطلاق وإنجاح هذه الانتفاضة المباركة حيث تم اختيار يوم 16 غشت 1953، وقد كان يوم الأحد يوم عطلة، للقيام بعدة عمليات فدائية، نذكر منها مناوشات قوات الجيش الاستعماري بسيدي يحيى، وتخريب قضبان السكة الحديدية، وإحراق العربات والقاطرات، وإضرام النار في مخزون الوقود، وتحطيم أجهزة محطة توليد الكهرباء، ومداهمة الجنود في مراكزهم، ولا سيما بمركز القيادة العسكرية بسيدي زيان للاستيلاء على ما كان مخزونا به من عتاد حربي.

كما شهدت مختلف مراكز المدينة مظاهرات انطلقت على الساعة السادسة مساء، وهي المظاهـرات التي واجهتهـا القوات الاستعمارية بوابل من الرصاص، قدر بنحو 20.000 رصاصة سقط على إثرها العديد من الشهداء وجرح العديد من المواطنين.

وفي ليلة 18 غشت 1953، توفي مختنقا في إحدى زنازن الشرطة الاستعمارية 14 وطنيا بسبب الاكتظاظ الذي نجم عن اعتقال المئات من الوطنيين. وامتدادا لهذه الانتفاضة، شهدت المناطق المجاورة لوجدة انتفاضات مماثلة، حيث عرفت مدينة بركان وتافوغالت مظاهرات حاشدة، وتم اعتقال العديد من المتظاهرين من بني يزناسن، ونقلهم إلى السجن الفلاحي العادر بأحواز الجديدة وإلى سجون أخرى.

وأشارت المندوبية إلى أن انتفاضة 16 غشت 1953 لم تكن انتفاضة عفوية وتلقائية فحسب، بل كانت منظمة ومؤطرة، انتفاضة شاركت في انطلاقها أوسع فئات وشرائح المجتمع الوجدي من عمال وفلاحين وتجار وصناع وحرفيين صغار ومتوسطين وموظفين، وطالت كل الفئات الاجتماعية والعمرية، بحيث تسلح الجميع بالإيمان وبعدالة القضية الوطنية مزودين بوسائل وأدوات مواجهة بسيطة وتقليدية وهم يهللون ويكبرون: “الله أكبر”، “الله أكبر”. فكانت هذه الانتفاضة عارمة لم تكد تتسع لها كل أرجاء مدينة وجدة المناضلة.

ولن نجد تعبيرا بليغا عن هذه الانتفاضة المباركة، ولا تحليلا عميقا لها، ولا فهما يسبر أغوارها، أبلغ وأوفى من الذي خص به جلالة المغفور له الحسن الثاني انتفاضة 16 غشت 1953 بوجدة حيث قال أكرم الله مثواه عنها: “… وكانت وجدة في آخر المطاف يوم 16 غشت 1953 أول مدينة أعطت انطلاقة ثورة الملك والشعب، ذلك الشعب المغربي بكامله الذي كان يحس بأن المأساة قد اقتربت، وأن الصراع قد وصل إلى أقصاه، وأن المسالة سوف تنتهي، ولا بد أن تنتهي إما بنفي الملك أو بتراجع فرنسا…”.

إن انتفاضة 16 غشت 1953 بوجدة وما تلاها من انتفاضة تافوغالت وبركان وبني يزناسن والمناطق المجاورة، أبانت عن مدى التلاحم والترابط القائم بين القمة والقاعدة، والذي تجلى في موقف جلالة المغفور له الحسن الثاني وهو آنذاك ولي للعهد، والذي كان العقل المدبر لهذه الانتفاضة المباركة، مما حدا بسلطات الاحتلال إلى محاكمة سموه وجلالته غيابيا. وفي هذا الصدد، يقول أكرم الله مثواه: “… وصار ما صار، وأراد الله أن يكون اسمي شخصيا مقرونا بتلك الأحداث التي جرت في وجدة، الشيء الذي جعلني أحال غيابيا على المحكمة العسكرية ونحن في المنفى…”.

وأكدت المندوبية أن “أسرة الحركة الوطنية والمقاومة وجيش التحرير وهي تخلد، ككل سنة، هاتين الذكريتين المجيدتين، لتستحضر الأطوار المشرقة والوقائع المتميزة لهذين الحدثين الزاخرين بالعبر والدروس وقيم الصبر والتحدي والوفاء للمقدسات الدينية والثوابت الوطنية، والطافحين بالدلالات العميقة والأبعاد الرمزية التي تشهد على غنى موروثنا التراثي والجهادي وتجذره في وجدان جميع فئات وشرائح الشعب المغربي الذي برهن على قدرته على التضامن والتكافل والتماسك في مواجهة المحتل الأجنبي، وكلما هدد كيانه أو استهدفت ثوابته وهويته الوطنية”.

وأضافت “ويتوجب علينا جميعا استخلاص هذه الدروس والعبر والدلالات العميقة وتلقينها للأجيال الصاعدة والمتعاقبة حتى تدرك ما خلفه لنا أسلافنا من تراث طافح بالتضحيات الجسام بذلوها في سبيل أن ينعم الوطن بالحرية والاستقلال، وحتى يتزود أبناؤنا مما تختزنه من قيم نبيلة وعبر سامية للتشبع بمضامينها في ملاحم الجهاد الأكبر لإعلاء صروح المغرب الجديد بقيادة صاحب الجلالة الملك محمد السادس حفظه الله الذي تعيش بلادنا، بفضل رؤيته المتبصرة وسياسته الحكيمة، انطلاق العديد من الأوراش التنموية في مختلف المجالات لتحقيق التنمية والنهضة الشاملة، وتعزيز الدور الحضاري للمغرب كبلد متمسك بقيم السلام والمبادئ الإنسانية المثلى وفضيلة الحوار والاعتدال وحسن الجوار”.

وأضاف البلاغ: إننا اليوم، ونحن نتابع مسيرة التحديث والبناء في وطننا العزيز، ل نستلهم من النطق الملكي السامي خارطة الطريق ونبراس العمل، إذ يذكرنا جلالته بضرورة التحلي بالثقة والتفاؤل لمواصلة المجهود التنموي، حيث قال حفظه الله، في خطابه السامي بمناسبة تخليد الذكرى 27 لعيد العرش المجيد: “إننا نعيش اليوم، مرحلة فاصلة في المسار التنموي ببلادنا، حيث يجب أن تسود روح الثقة والتفاؤل، على خطابات اليأس والإحباط.

وإن أكثر ما يبعث على الفخر والاعتزاز، هو ما ينعم به المغرب من أمن واستقرار، وما يتميز به عمل مؤسسات الدولة من نجاعة وفعالية.

ففي محيط إقليمي ودولي مطبوع بكثرة التقلبات والاضطرابات، يشكل الاستقرار السياسي والمؤسسي عملة نادرة، لا تقدر بأي ثمن.

فالاستقرار اليوم، هو العامل الأساسي في معادلة التنمية، وهو الرأسمال الاستراتيجي الذي يعتز به المغرب.”

كما أن أسرة الحركة الوطنية والمقاومة وجيش التحرير وهي تخلد ككل سنة هاتين الذكريتين المجيدتين، لتجدد التأكيد على تعبئتها المستمرة ويقظتها الموصولة وتجندها الدائم إلى جانب سائر فئات وأطياف المجتمع المغربي من أجل صيانة الوحدة الترابية وتثبيت المكاسب الوطنية، مثمنة عاليا ما ورد في الخطاب السامي لصاحب الجلالة الملك محمد السادس حفظه الله ليوم الجمعة 31 أكتوبر 2025، عقب صدور القرار الأممي رقم 2797 القاضي باعتماد مبادرة الحكم الذاتي للأقاليم الصحراوية المسترجعة تحت السيادة المغربية كأساس وحيد ومرجع أوحد لكل تفاوض حول مستقبلها.

وأبرز البلاغ أنه تخليدا لهاتين المعلمتين التاريخيتين الوضاءتين، واعتزازا بحمولاتهما التاريخية ومعانيهما الرمزية ودلالاتهما الوطنية وأهمية مكانتهما في سجل ملحمة ثورة الملك والشعب، ستنظم المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير، غدا الاثنين، بكل من عمالة وجدة-أنكاد وعمالة إقليم بركان، مهرجانين خطابيين، تلقى خلالهما كلمات وشهادات للإشادة بفصول هذه الملاحم البطولية وإبراز مكانتها المتميزة في تاريخنا الوطني الطافح بروائع النضالات من أجل نيل الحرية والاستقلال وتحقيق السيادة الوطنية واستكمال الوحدة الترابية.

وأشارت المندوبية إلى أنه سيتم، بذات المناسبتين المجيدتين، تكريم صفوة من قدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير، وتوزيع إعانات مالية وإسعافات اجتماعية على عدد من المنتمين لهذه الأسرة المجاهدة الجديرة بموصول العناية والرعاية.

ويتضمن برنامج تخليد هاتين المناسبتين غدا الاثنين، وقفة ترحم على أرواح شهداء الحرية والاستقلال والوحدة الترابية بساحة 16 غشت بمدينة وجدة على الساعة العاشرة والنصف صباحا؛ ومهرجانا خطابيا بقاعة المركب الإداري والثقافي للأوقاف والشؤون الإسلامية بوجدة على الساعة الحادية عشرة صباحا؛ ومهرجانا خطابيا آخر بالقاعة الكبرى لعمالة إقليم بركان على الساعة الخامسة والنصف عصرا.

كما سيتم تنظيم برامج أنشطة وفعاليات تربوية وثقافية وتواصلية مع الذاكرة التاريخية الوطنية والمحلية بسائر النيابات الجهوية والإقليمية والمكاتب المحلية، وكذا بفضاءات الذاكرة التاريخية للمقاومة والتحرير المبثوثة عبر التراب الوطني وتعدادها 109 وحدة – فضاء، بتنسيق وشراكة مع القطاعات الحكومية والمؤسسات العمومية والهيئات المنتخبة والجمعيات ومنظمات المجتمع المدني.

العمق المصدر: العمق
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا