في عالم تقاس فيه الأشياء عادة بحجمها، اختار فؤاد كبداني أن يثبت العكس، فليس حجم العمل هو ما يصنع قيمته، بل مقدار الدقة والشغف الذي يسكب في تفاصيله.
شاب مغربي في الخامسة والثلاثين من عمره، ولد ونشأ بمدينة الدار البيضاء، درس وتخصص في مجال الطيران، لكنه وجد جزء من ذاته يتجه إلى مسار آخر أكثر هدوء ودقة.. إلى فن المصغرات والنحت على الأحجار الصغيرة.
من حلم الصغر إلى شغف الدقة
منذ سنوات طفولته الأولى، كانت يد فؤاد تميل إلى الرسم والتشكيل أكثر من أي شيء آخر، يقول في تصريح خص به جريدة “العمق” “بدأت رحلتي الإبداعية في سن مبكرة، عندما كنت في المرحلة الابتدائية، كنت أرسم وأبدع بكل شغف”، قبل أن تتطور موهبته تدريجيا بفضل تشجيع عائلتي وأستاذتي”، فيما ظلت والدته السند الأكبر في رحلته الإبداعية، وفق تعبيره.
ظل الكبرياء الفني ينمو داخل فؤاد، يترجم مهاراته المكتسبة عبر السنين، حتى جاء عام 2016 ليكون نقطة تحول مفصلية في حياته. لم يعد الشغف التقليدي كافيا لطموحه، بل كان يبحث عن “تحد فني” نادر ومعقد يعكس شخصيته ويميز إبداعه، ليتجه نحو “فن المصغرات” (Miniature Art) والنحت على الأحجام الصغيرة. يقول”كنت دائما أميل إلى الفنون النادرة والمعقدة التي تتطلب صبرا هائلا ودقة متناهية في فن المصغرات وجدت ضالتي التي تجمع بين المعاناة الجميلة والإبداع الفريد”.
أسرار النحت على المصغرات
النحت على الأحجام الصغيرة يمثل اختبارا حقيقيا لطاقة الإنسان العصبية والبصرية. لهذا يستخدم فؤاد آلة جد صغيرة ، يتحكم فيها بحركات محسوبة لنحت تفاصيل تكاد العين المجردة تجد صعوبة في التقاطها، يشرح كبداني تفاصيل هذا الفن قائلا “إن النحت يستلزم آلة دقيقة تشبه القلم تمنحك التحكم في المساحات المجهرية”، لكنه يؤكد أن “السر الحقيقي لا يكمن في الآلة، بل في حس اليد وطريقة التنفيذ والإتقان المكتسب بالممارسة”.
هذه القطع الصغيرة التي قد لا يلقي لها الانسان بالا، لكنها تتطلب من فؤاد تركيزا ذهينا مطلقا وساعات طويلة من العمل المتواصل، يكشف فؤاد في حديثة لجرريدة “العمق” أن مدة إنجاز القطعة الواحدة تتراوح بين 20 إلى 60 ساعة أو أكثر، مقسمة على أيام متتالية، لضمان أعلى مستويات الدقة دون إغفال الجانب الصحي والتوازن الشخصي لتجنب الإجهاد البصري والبدني، يقول فؤاد ” بالممارسة والإتقان، يمكن تحويل القطع الصغيرة إلى عمل فني مميز، تجعل من تجربة النحت رحلة فريدة وممتعة”.
بين آلة دقيقة ومهارة اليد..
شغف فؤاد بالتفاصيل لم يتوقف عند حدود الإبداع.. بل قاده إلى تحديات أكبر، انتهت بأحد أبرز إنجازاته، حين تمكن من نحت الحروف الأبجدية كاملة على قلم لا يتجاوز قطره 0.3 ميليمتر، في عمل استغرق منه نحو 44 ساعة من العمل.
مصدر الصورة
ليحصل بذلك على اعتراف برقم قياسي عالمي من منظمة Talent Record Book. إنجاز يكشف إلى أي حد يمكن أن تصل يد الفنان عندما تجتمع الموهبة مع الصبر والدقة.
مصدر الصورة
غير أن السر الأكبر لإبداع ابن الدار البيضاء لا يكمن فقط في أدواته النانوية، بل في تقنية السيطرة الجسدية، إذ يتجاوز حدود التركيز التقليدي ليضبط حركات أنامله بدقة متناهية تتناغم مع دقات قلبه. وفي اعتراف يشبه فلسفة التأمل الفني، يقول كبداني بأنه يشعر بنبضات حافزة في صدره، ينتظر هدوءها الفاصل بين النبضة والأخرى ليحفر أفكاره بلمسة ثبات نادرة لا تتحمل أدنى هزة.
ولأن كل جزء من المليمتر قد يصنع الفرق بين النجاح والفشل، اختار فؤاد في بعض تجاربه أدوات ومواد تكاد تكون غير قابلة للتصديق كمساحات للرسم والنحت.
من بين تجاربه الأكثر غرابة، كتابة الحروف الأبجدية كاملة على شعرة شيب نزعها من لحيته، على مساحة تقل عن مئة ميكرومتر ، تجارب تعكس فلسفته في التعامل مع فن المصغرات: كلما صغر الحجم، ارتفع التحدي.
ويقول فؤاد إن هذا النوع من الفن لا يعتمد على الأدوات وحدها، مهما بلغت دقتها، بل إن العنصر الحاسم يبقى في يد الفنان، وفي قدرته على التحكم في الحركة والتركيز والصبر.
ولم تكن حبات الأرز بعيدة عن مغامراته الفنية، فقد تمكن من كتابة أسماء الله الحسنى على 99 حبة من الأرز، ثم رتبها لتأخذ في مجموعها شكل لفظ الجلالة «الله». ورسم الكعبة المشرفة على حبة أرز، متحديا بذلك ضيق المساحة، ومحولا حبة صغيرة إلى لوحة تحمل رمزية كبيرة.
كما خاض تجارب أخرى على أجزاء صغيرة، من بينها نحت مجسم كأس العالم على قطعة صغيرة من ذهب، في مساحة لا تتجاوز ثقب الإبرة.
أما الأقلام، فتحولت بدورها إلى مساحة استثنائية لإبداعه، فقد اشتغل على رؤوس أقلام الرصاص، ونحت عليها آيات قرآنية، كما قدم تجارب على أحمر الشفاه وأعواد الثقاب واللوز والكاجو وغيرها من المواد غير التقليدية.
ولم يتوقف الأمر عند الأرز والأقلام والحبوب، فقد اشتغل أيضا على قشور البيض، وقدم أعمالا دقيقة تضمنت كتابة نصوص على أسطح بالغة الهشاشة، في تجارب تطلبت منه عشرات الساعات من العمل المتقطع.
ومن بين أفكاره الأكثر تعقيدا، اشتعل فؤاد على تجسيد لوحات معروفة في شكل مجسمات متناهية الصغر، من بينها محاولته تجسيد لوحة ما يعرف بـ«العشاء الأخير» بمجسمات لا يتجاوز حجم بعضها مئة ميكرون، ثم تثبيتها داخل عين إبرة.. مساحة لا تكاد تتسع لرؤية التفاصيل، لكنها بالنسبة إليه تتحول إلى ورشة فنية كاملة.
ويعتبر فؤاد إن كل عمل جديد بالنسبة إليه هو اختبار لقدراته، وإنه لا يبحث عن تكرار ما أنجزه سابقا، بل عن فكرة جديدة تدفعه إلى تجاوز حدود ما يعتقد أنه ممكن.
ومن بين تجاربه أيضا الاشتغال على عظام الفواكه، فحول عظم “المندرين” إلى مساحة لرسم تفاصيل مستوحاة من جبال الأطلس، كما اشتغل على عظم الخوخ، وقدم عليه مشاهد فنية، بل وحول بعض هذه الأعمال إلى قطع يمكن الاحتفاظ بها وتعليقها.
على الرغم من أن أعماله الدقيقة مكنته من المشاركة في معارض دولية وحصد إشادات واسعة، لا يبدو فؤاد منشغلا كثيرا بفكرة الشهرة. فهو بطبعه يميل إلى الهدوء،. بالنسبة إليه، الأفضل أن تتحدث أعماله عنه، وأن تصل تفاصيلها إلى الناس قبل أن يصل اسمه إليهم. يقول في هذا الصدد “أرى في الشهرة نوعا من الضجيج الذي يتنافى مع طبعي الهادئ والميل إلى الهدوء، ومع ذلك، فإن أعمالي الفنية قد تقودني إلى بعض الشهرة، وأرحب بذلك بشكل متوازن” يضيف ذات المتحدث.
وبعيدا عن الفن، يحمل فؤاد تكوينا مختلفا، فقد درس مجال الطيران، ويهتم أيضا بالتدريب في رياضة السباحة وبعض الأنشطة التجارية. تعدد اهتماماته لم يكن عائقا أمام مساره الفني، بل جعله أكثر انفتاحا على التجربة والتعلم وخوض تحديات جديدة.
اليوم، يواصل فؤاد كبداني نحت طريقه بهدوء، حجرا تلو الآخر، وتفصيلا بعد آخر. وبينما قد تبدو القطعة التي يعمل عليها صغيرة في حجمها، فإن الساعات التي يقضيها خلفها، والصبر الذي يضعه في كل حركة، والطموح الذي يدفعه إلى تطوير تجربته، تجعل منها أكثر من مجرد منحوتة صغيرة.
إنه فن يذكرنا بأن الإبداع لا يحتاج إلى مساحة كبيرة كي يكون عظيما.. أحيانا، يكفي حجر صغير ويد تعرف كيف تمنحه حياة.
هكذا، يتجاوز كبداني مفهوم “المصغرات” ليصنع مدرسة مغربية فريدة تنبض بالحياة في فراغات لا تراها العين المجردة،تحول أدق المكونات إلى تحف تتحدى المألوف وترسخ اسمه كأحد أبرز رواد هذا الفن على الصعيد العالمي.
المصدر:
العمق