آخر الأخبار

الرويسي: الاستثمار في الطفولة “قضية أمن قومي”.. والمساواة تبدأ منذ فترة الحمل

شارك

دعت خديجة الرويسي إلى إعادة النظر في الطريقة التي يُناقش بها المغرب قضايا المسؤولية والتفاوتات والعنف والانحراف، معتبرة أن بناء مجتمع متماسك ومسؤول لا يبدأ فقط من القوانين والمؤسسات، بل منذ فترة الحمل وخلال السنوات الأولى من حياة الطفل.

وأكدت الرويسي، في مقال رأي بعنوان “كل شيء يتقرر قبل سن السادسة” ، أن النقاش العمومي غالبا ما يركز على إصلاح القضاء والتربية على المواطنة وإعادة توزيع الثروة ومحاربة التمييز، في حين يتم إغفال الترابط بين هذه المجالات وبين الظروف التي ينشأ فيها الفرد منذ مراحله الأولى.

إقرأ أيضًا
كل شيء يتقرر قبل سن السادسة مصدر الصورة

وشددت على أن ترسيخ المساواة بين النساء والرجال ينبغي أن يبدأ منذ الحمل، عبر إشراك الأب بصورة فعلية في متابعة الحمل والاستعداد للولادة وتحمل مسؤوليات الرعاية والتربية، بدلا من التعامل معه باعتباره مجرد مرافق ثانوي.

واعتبرت الرويسي أن تحميل الأم وحدها العبء الجسدي والنفسي والاجتماعي خلال الحمل، ثم انتظار تقاسم متوازن للمسؤوليات بعد الولادة، يساهم في إعادة إنتاج اللامساواة داخل الأسرة، مؤكدة أن الأب يجب أن يكون طرفا كاملا في الرعاية منذ الأيام الأولى للحمل.

وفي السياق ذاته، ربطت الرويسي بين المسؤولية الأسرية وتوفير شروط العيش الكريم، معتبرة أنه لا يمكن مطالبة الأسر بتوفير بيئة مستقرة للأطفال في غياب التغذية الكافية والسكن اللائق والرعاية الصحية والحماية من العنف والمواكبة الاجتماعية والدعم المادي.

وأوضحت أن التفاوتات الاجتماعية قد تبدأ حتى قبل ولادة الطفل، مشيرة إلى أن الطفل الذي يولد وسط الحرمان أو العنف أو انعدام الأمان لا ينطلق من الظروف نفسها التي يتوفر عليها طفل يعيش في بيئة مستقرة، وهو ما يجعل التدخل المبكر أكثر نجاعة من انتظار ظهور الصعوبات في مرحلة المراهقة.

كما سلطت الرويسي الضوء على الدور الذي يمكن أن تضطلع به القابلات، معتبرة أن مهمتهن لا ينبغي أن تبقى محصورة في الجوانب الطبية المرتبطة بالحمل والولادة، بل يجب أن تشمل الوقاية والتوعية ورصد الهشاشة والعنف والضيق النفسي وتشجيع انخراط الأب في مسؤولياته.

ودعت في هذا الإطار إلى تعزيز تكوين القابلات في مجالات علم النفس وعلم الاجتماع وحماية الطفولة والوقاية من العنف والمساواة بين الجنسين والتواصل مع الأسر، معتبرة أن عدد القابلات وجودة تكوينهن وتوزيعهن على التراب الوطني تعكس قدرة الدولة على الاستثمار في المستقبل.

وبخصوص التعليم الأولي، أكدت الرويسي أن السنوات الست الأولى من حياة الطفل تلعب دورا حاسما في تكوين شخصيته وعلاقته بالآخرين وقدرته على التعلم، مشددة على أن التعليم الأولي ليس مجرد حضانة أو مرحلة تحضيرية للمدرسة، وإنما فضاء أساسي يكتسب فيه الطفل قيم التعاون واحترام القواعد والتعبير عن المشاعر وحل النزاعات دون عنف.

وانتقدت وضعية عدد من مربيات ومربي التعليم الأولي، مشيرة إلى التناقض بين الاعتراف بأهمية الطفولة المبكرة وبين استمرار تشغيل بعض العاملين في هذا القطاع في ظروف هشة أو دون تكوين وأجور تتناسب مع حساسية المهمة التي يقومون بها.

ودعت إلى تكوين متعدد التخصصات لمهنيي التعليم الأولي يشمل نمو الطفل وعلم النفس والبيداغوجيا والصحة والتغذية وحماية الطفولة والمساواة وإدماج الأطفال في وضعية إعاقة، إلى جانب تشديد المراقبة على جودة الحضانات ومؤسسات التعليم الأولي.

وفي ما يتعلق بمسؤولية الدولة، رفضت الرويسي حصر تربية الأطفال في مسؤولية الأسرة وحدها، معتبرة أن تفاوت الموارد والدخل وظروف السكن والولوج إلى الصحة يجعل من الضروري أن تتدخل الدولة لتوفير الشروط التي تمكّن الأسر من القيام بواجباتها.

وقالت إن دور الدولة لا يتمثل في الحلول محل الوالدين، وإنما في جعل تحملهما للمسؤولية أمرا ممكنا، من خلال تنظيم متابعة الحمل، ودعم الأسر الهشة، وتطوير شبكة الحضانات والتعليم الأولي، وضمان جودة الخدمات المقدمة للأطفال.

وذهبت الرويسي إلى اعتبار الاستثمار في القابلات والحضانات والتعليم الأولي وتكوين المربين قضية مرتبطة بالأمن القومي والاستراتيجية الوطنية، بالنظر إلى انعكاس إهمال الطفولة المبكرة مستقبلا على الفشل الدراسي والعنف والصحة النفسية وإعادة إنتاج التفاوتات.

وأضافت أن الأمن القومي لا يقتصر على حماية الحدود والنظام العام، بل يشمل أيضا إعداد أجيال قادرة على التعايش واحترام القواعد والتفكير النقدي وتحمل المسؤولية، محذرة من أن المجتمعات قد تُضعف من الداخل نتيجة الإهمال التربوي وصدمات الطفولة والتفاوتات وفقدان الثقة في المؤسسات.

وخلصت الرويسي إلى أن الإصلاح الحقيقي للمجتمع لا يبدأ فقط من البرلمان أو المحاكم أو الجامعات، بل أيضا من متابعة الحمل وقاعة الولادة والبيت والحضانة وقسم التعليم الأولي، معتبرة أن الدولة مطالبة بالاختيار بين الاستمرار في معالجة نتائج الاختلالات بعد وقوعها أو الاستثمار الجدي والمبكر في السنوات الأولى من حياة الأطفال.

العمق المصدر: العمق
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا