دعا أستاذ التعليم العالي بكلية العلوم في جامعة محمد الخامس بالرباط، حسن الروخ، إلى وضع استراتيجية وطنية متكاملة للألعاب الإلكترونية، معتبرا أن هذا القطاع لم يعد مجرد مجال للترفيه أو استهلاك المحتوى، وإنما تحول إلى صناعة عالمية ذات أبعاد اقتصادية وتقنية وثقافية وأمنية متزايدة.
وأوضح الروخ، في تدوينة عبر حسابه على “فيسبوك”، أن صناعة الألعاب الإلكترونية أصبحت من أكبر الصناعات في العالم، بمدخول سنوي يتجاوز 200 مليار دولار، وبات تأثيرها يتجاوز حدود التسلية إلى مجالات الاقتصاد والابتكار والهوية الثقافية والأمن الفكري والرقمي.
واعتبر أن استمرار التعامل مع الألعاب الإلكترونية بمنطق “التجاهل التنظيمي”، أو حصر النقاش حولها في مخاطر الإدمان والآثار الاجتماعية والتربوية، لم يعد خيارا استراتيجيا، محذرا من أن غياب سياسة حكومية واضحة يجعل الدولة في موقع المستهلك للمحتوى الأجنبي ومستنزف الموارد المالية، بدل الانتقال إلى موقع المنتج والمستثمر.
صناعة واعدة ووظائف المستقبل
يرى الروخ أن البعد الاقتصادي والتنموي يشكل أحد أبرز دوافع وضع استراتيجية وطنية للألعاب الإلكترونية، بالنظر إلى ارتباط هذه الصناعة بمجموعة من التقنيات التي تشكل جزءا من اقتصاد المستقبل، من قبيل الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية والواقع الممتد.
وفي هذا السياق، يقترح العمل على توطين الاستثمارات من خلال استقطاب الشركات العالمية، وإحداث حاضنات أعمال قادرة على مواكبة الاستوديوهات المحلية الناشئة، إلى جانب تطوير صناعة وطنية يمكنها إنتاج البرمجيات والمحتوى الرقمي وتصديره إلى الأسواق الخارجية.
كما يشدد على أن تطوير القطاع يمكن أن يساهم في الحد من نزيف العملة الصعبة الناتج عن عمليات شراء المحتويات والخدمات داخل الألعاب الأجنبية، وتحويل جزء من هذا الإنفاق الاستهلاكي إلى قيمة مضافة منتجة داخل الاقتصاد الوطني.
ولا يحصر الروخ فرص الشغل التي يمكن أن توفرها الصناعة في المبرمجين والمطورين، بل يلفت إلى منظومة مهنية أوسع تشمل كتاب السيناريو والسرد القصصي، والمصممين، والملحنين، والفنانين، فضلا عن المهن المرتبطة بالرياضات الإلكترونية والأندية والاحتراف.
الألعاب الإلكترونية.. واجهة جديدة للهوية الثقافية
ويمتد طرح الأستاذ الجامعي إلى الجانب الثقافي، إذ يعتبر أن الألعاب الإلكترونية أصبحت إحدى الوسائل الأكثر تأثيرا في الأجيال الصاعدة، بما يجعلها مجالا جديدا للصراع حول السرديات والقيم والتمثلات الثقافية.
وبحسب الروخ، فإن غياب إنتاج محلي قادر على تقديم التاريخ والتراث والثقافة الوطنية من خلال الألعاب يترك المجال مفتوحا أمام استهلاك مضامين وسرديات أجنبية، قد لا تنسجم دائما مع الخصوصيات الثقافية والقيم الوطنية والأخلاقية.
ومن هذا المنطلق، يطرح الاستثمار في صناعة ألعاب وطنية باعتباره وسيلة لتعزيز حضور الثقافة المغربية في الفضاء الرقمي، وتحويل الألعاب إلى أداة من أدوات القوة الناعمة والإشعاع الثقافي، ليس فقط داخل المغرب، وإنما أيضا في الأسواق الدولية.
حماية القاصرين وتنظيم المحتوى
في المقابل، يولي الروخ جانبا مهما للأبعاد الوقائية والتنظيمية، خصوصا في ظل اتساع قاعدة مستخدمي الألعاب الإلكترونية من الأطفال والمراهقين.
ويشير إلى ضرورة وضع نظام واضح للتصنيف العمري للمضامين، بما يتيح حماية القاصرين من المحتويات العنيفة أو غير الملائمة، إلى جانب التعامل مع بعض الممارسات التجارية داخل الألعاب، خصوصا آليات شراء العناصر الافتراضية وصناديق الحظ أو ما يعرف بـ”Loot Boxes”، التي يرى أنها تستوجب تأطيرا قانونيا واضحا عندما تتقاطع مع ممارسات شبيهة بالقمار.
كما يطرح حماية البيانات الشخصية والأمن السيبراني للمستخدمين ضمن الأولويات التنظيمية، إلى جانب التصدي للاحتيال المالي والتنمر الرقمي وغيرها من المخاطر المرتبطة بالبيئة الرقمية التي أصبحت الألعاب جزءا أساسيا منها.
قطاع التواصل.. حضور مطلوب في التنظيم
وفي جانب آخر من مقترحه، يتوقف الروخ عند العلاقة بين الألعاب الإلكترونية وقطاع التواصل والإعلام، رافضا النظر إلى الألعاب باعتبارها مجالا تقنيا منفصلا عن المنظومة الإعلامية.
ويعتبر أن الألعاب أصبحت تصنف ضمن “الوسائط التفاعلية”، بعدما تجاوزت اللعب الفردي إلى منظومة إعلامية متكاملة تشمل البث المباشر وصناعة المحتوى والتأثير الرقمي والتفاعل الجماهيري.
ويرى أن دور قطاع التواصل يمكن أن يتجسد في ضبط المحتوى وتطبيق معايير التصنيف العمري، إلى جانب تأطير منصات البث المباشر مثل “Twitch” و”YouTube”، وتنظيم البيئة التي يعمل فيها صناع المحتوى والمؤثرون المرتبطون بالألعاب الإلكترونية.
كما يقترح توظيف التواصل المؤسساتي والوقائي في إدارة الأزمات الرقمية، وإطلاق حملات توعية موجهة إلى الشباب عبر المنصات التي يرتادها مجتمع اللاعبين، بدل الاقتصار على مقاربة إعلامية تركز على سلبيات الألعاب وإدمانها.
حوكمة موحدة بدل التشتت المؤسساتي
يعتبر الروخ أن أحد التحديات الأساسية أمام تطوير القطاع يتمثل في تداخل الاختصاصات بين عدد من القطاعات الحكومية، من الاقتصاد والاتصالات إلى الشباب والرياضة والثقافة والتواصل والتعليم والتكوين.
ولمعالجة هذا التشتت، يقترح إرساء حكامة موحدة ومرنة، مع إسناد القيادة الأساسية للملف إلى القطاع الحكومي المكلف بالاقتصاد والتحول الرقمي، باعتبار الألعاب الإلكترونية، في جوهرها، منتجا برمجيا وتقنيا يرتبط بالاستثمار والابتكار والتصدير الرقمي.
وفي المقابل، يقترح إحداث “الوكالة الوطنية لتنمية صناعة الألعاب الإلكترونية” كآلية تنفيذية تعمل بمثابة شباك موحد للفاعلين في القطاع.
وحسب التصور الذي قدمه، تتولى هذه الوكالة صياغة وحوكمة الاستراتيجية الوطنية للألعاب، وتقديم الدعم المالي واللوجستي للاستوديوهات والشركات الناشئة، إلى جانب المساهمة في تنظيم القطاع ومنح التراخيص وتطبيق معايير التصنيف العمري، بالتنسيق مع الجهات المختصة.
مجلس تنسيقي لتوحيد الجهود
ويقترح الروخ أيضا تشكيل مجلس تنسيقي قطاعي يضمن مشاركة مختلف المؤسسات المعنية، على أن يضم ممثلين عن قطاعات التواصل والثقافة لضمان سلامة المحتوى وحماية الهوية والتصنيف العمري، وقطاع الشباب والرياضة لتأطير مسابقات الرياضات الإلكترونية والأندية واكتشاف المواهب.
كما يدعو إلى إشراك قطاع التعليم العالي والتكوين المهني بهدف تطوير مسارات وشعب أكاديمية وتكوينية متخصصة، قادرة على توفير الكفاءات اللازمة لصناعة الألعاب، من التطوير والبرمجة إلى التصميم والسرد والموسيقى والفنون الرقمية.
“National Gaming 2030”.. من الاستهلاك إلى الإنتاج
دعا حسن الروخ إلى الاعتراف الرسمي بالألعاب الإلكترونية كصناعة قائمة الذات ورافد من روافد الاقتصاد المعرفي، مع وضع إطار تشريعي وحوكمي موحد يقوده قطاع التحول الرقمي، بمشاركة قطاعات التواصل والثقافة والشباب والتعليم العالي والبحث العلمي.
ويقترح في هذا السياق إطلاق استراتيجية تحمل اسم “National Gaming 2030″، تستهدف توطين إنتاج الألعاب، وحماية الناشئة، وتطوير الكفاءات، وبناء صناعة وطنية قادرة على المنافسة في السوق الدولية.
ولا يتوقف التصور عند الجانب الاقتصادي، إذ يربط الروخ هذه الاستراتيجية أيضا بإعادة تنظيم ممارسة الألعاب الإلكترونية نفسها، عبر الانتقال من الاستهلاك العفوي والهواية غير المؤطرة إلى مسارات احترافية وهياكل للرياضات الإلكترونية تخضع للتأطير والتنظيم.
وبذلك، يضع الأستاذ الجامعي النقاش حول الألعاب الإلكترونية في إطار أوسع من سؤال الترفيه أو الإدمان، ويربطه بقضايا الإنتاج الرقمي، والسيادة الثقافية، والأمن السيبراني، والاقتصاد المعرفي، وتكوين الكفاءات، داعيا إلى التعامل مع القطاع باعتباره جزءا من التحول الرقمي الذي يحتاج إلى سياسة عمومية واضحة وحكامة مؤسساتية متخصصة.
المصدر:
العمق