مع اقتراب كل استحقاق انتخابي في المغرب، يعود الحديث عن علاقة الفن بالسياسة إلى واجهة النقاش العمومي، وتعود معه أسماء فنية إلى دائرة التكهنات بشأن احتمال انضمامها إلى أحزاب أو خوضها غمار الانتخابات. غير أن اللافت مع اقتراب انتخابات 23 شتنبر 2026 هو أن بعض الفنانين يجدون أنفسهم مضطرين إلى نفي ارتباطهم بأحزاب لم يعلنوا أصلا الانتماء إليها، في وقت تحاول فيه التنظيمات السياسية استقطاب أسماء ذات حضور جماهيري للاستفادة من رصيدها لدى الناخبين.
حين تسبق الشائعة الانتماء الحزبي
آخر فصول هذا النقاش برز قبل أيام، بعدما ربطت منشورات متداولة اسمي الممثلين عبد الرحيم المنياري ونبيل عطيف بحزب الاتحاد الدستوري بدائرة الفداء مرس السلطان بالدار البيضاء، وقدمت الأمر باعتباره التحاقا معلنا بصفوف الحزب.
وسارع الفنانان إلى نفي هذه المعطيات، موضحين أن الصور التي استندت إليها المنشورات المتداولة التقطت خلال مناسبة تعليمية لا علاقة لها بأي نشاط حزبي.
وأوضح المنياري في تدوينة على “فيسبوك”، أن حضوره كان بدعوة من صاحب مؤسسة تعليمية لحفل نهاية السنة الدراسية، مؤكدا أنه “لا ينتمي لهذا الحزب لا من قريب ولا من بعيد”.
بدوره، نفى نبيل عطيف أن تكون له أي عضوية أو صفة سياسية داخل الاتحاد الدستوري، موضحا أن الصورة التي استُعملت لربط اسمه بالحزب تعود إلى حفل للاحتفاء بتلاميذ نجحوا في امتحانات البكالوريا، وليس إلى لقاء حزبي أو نشاط انتخابي.
وتعيد هذه الواقعة إلى الواجهة ظاهرة تتكرر مع اقتراب المواعيد الانتخابية، حيث تتحول صور الفنانين خلال المناسبات العامة، أو لقاءاتهم مع شخصيات سياسية، إلى مادة لتكهنات حول انتماءاتهم ومواقفهم، قبل أن يصدر في بعض الحالات أي إعلان رسمي من المعنيين بالأمر.
الشهرة الفنية ورقة انتخابية
يرتبط حضور الفنانين في الحسابات الانتخابية للأحزاب بالقيمة الانتخابية التي باتت تحظى بها الشهرة الفنية. فالفنان يدخل المجال العام برصيد جماهيري جاهز، ووجه معروف لدى شرائح واسعة من الناخبين، وهو ما يجعل اسمه مغريا للأحزاب الباحثة عن شخصيات قادرة على توسيع دائرة التواصل خارج جمهورها التقليدي.
غير أن هذا الانتقال لا يحظى بالموقف نفسه داخل الوسط الفني. فعدد من الفنانين يفضلون البقاء خارج التنظيمات الحزبية خوفا من الحدود الجديدة لعلاقتهم مع جمهور متنوع سياسيا، فيما يختار آخرون الانخراط فيها، بينما يتعامل فريق ثالث مع المشاركة السياسية باعتبارها قرارا يمكن اتخاذه في مرحلة لاحقة.
بين الاستقلالية والابتعاد عن الأحزاب
تكشف مواقف عدد من الفنانين الذين تحدثوا إلى “العمق” عن تباين واضح في طريقة النظر إلى هذه العلاقة، وإن كان القاسم المشترك بينها لدى عدد منهم هو الحرص على عدم تحويل الفن إلى امتداد مباشر للعمل الحزبي.
الممثلة والمخرجة سناء عكرود تمثل أحد أكثر المواقف وضوحا في هذا الاتجاه. فقد نفت، في تصريح سابق لـ”العمق”، انتماءها إلى أي حزب سياسي أو وجود نية لديها حاليا لخوض تجربة حزبية، رغم ارتباط اسمها في السنوات الأخيرة بوزير العدل عبد اللطيف وهبي.
وتعتبر عكرود، أن الحفاظ على استقلاليتها الفكرية والمهنية يمثل أولوية بالنسبة إليها، مشيرة إلى أنها لا تريد أن تفقد حريتها بالانخراط في تنظيم سياسي، مع تأكيدها احترامها للأحزاب واختياراتها. كما شددت على افتقارها إلى “المرونة اللازمة لتتلون وفق المصالح السياسية”.
وفي الجيل الجديد من الفنانين، يتخذ الرابور ديزي دروس موقفا أكثر حسما تجاه فكرة الانتماء الحزبي. فقد قال، خلال ندوة صحفية على هامش مشاركته في الدورة الحادية والعشرين من مهرجان “موازين”، إنه لا يرى نفسه داخل أي حزب سياسي في الوقت الراهن، رغم إقراره بأنه كان يحمل ميولات سياسية عندما كان أصغر سنا.
وأضاف ديزي دروس أن نظرته إلى العمل السياسي تغيرت مع مرور الوقت، بعدما أصبح يرى هذا المجال باعتباره “لعبة معقدة”، وهو ما جعله يبتعد عن فكرة خوض التجربة، مفضلا التركيز على مساره الفني ومشاريعه الثقافية.
أما المغني الشعبي عبد الله الداودي، فيختار مسافة أكثر صرامة من السياسة. ففي تصريح لـ”العمق”، أكد أنه لا يرغب في الخوض في النقاش السياسي، مفضلا التركيز على فنه وعلاقته بجمهوره، ومشددا على أن “لكل مجال أهله”، قبل أن يختصر موقفه بعبارة “المشي جنب الحائط”.
وتابع الداودي: “لا أتحدث في السياسة ولا أفهم فيها، وعلى الإنسان أن يهتم بالعمل الذي يقوم به. يمكنني أن أتناقش معك في الفن الذي أقدمه، أما الأمور التي لا أفهمها فلها مختصوها، ولا أريد الحديث فيها”.
ولا يذهب الممثل عادل أبا تراب إلى حد رفض السياسة، لكنه يضع المشاركة فيها ضمن دائرة القرار الشخصي. وقال في تصريح سابق لـ”العمق” إن لكل فنان الحرية في اختيار الطريق الذي يرى أنه يناسبه، مؤكدا أنه لا يجد نفسه حاليا في السياسة، مع إبقاء احتمال تغيير موقفه مستقبلا قائما.
الانخراط السياسي ممارسة ديمقراطية
في مقابل المواقف السابقة المتحفظة، تقدم الممثلة والمخرجة لطيفة أحرار قراءة مختلفة للعلاقة بين الفن والسياسة. فهي لا ترى السياسة مجالا منفصلا عن حياة الفنان أو المجتمع، معتبرة أن حضورها يتجاوز الأحزاب والمؤسسات المنتخبة ليصل إلى تفاصيل الحياة اليومية.
وقالت أحرار في تصريح سابق لـ”العمق”، إن “طرف الخبز سياسة”، في إشارة إلى أن السياسة حاضرة في القضايا التي يعيشها المواطن يوميا، كما أن الذهاب إلى صناديق الاقتراع يمثل في حد ذاته ممارسة سياسية، وفق تعبيرها.
ومن هذا المنطلق، تعتبر أن من الطبيعي أن يختار الفنان الانخراط في حزب أو خوض تجربة التمثيل البرلماني، ما دام يمارس حقا ديمقراطيا لا يختلف عن حق أي مواطن آخر، مشيرة إلى أن الفنان الذي يصل إلى البرلمان يصبح، بحكم أصوات الناخبين، ممثلا للمواطنين الذين منحوه ثقتهم، وهو ما يفرض احترام اختياراتهم.
أما في ما يتعلق بإمكانية خوضها شخصيا هذه التجربة، فلم تحسم أحرار موقفها بشكل مباشر، تاركة الباب مفتوحا أمام الاحتمالات.
تجربة 2021.. حين انتقل الفن من هامش السياسة إلى المؤسسات
شهدت انتخابات 2021 محطة بارزة في علاقة الفنانين بالعمل السياسي، بعدما انخرط عدد من الأسماء الفنية في حزب التجمع الوطني للأحرار، وتأسست داخل الحزب “الفيدرالية الوطنية للفنانين التجمعيين”، التي ضمت عددا من الفنانين والممثلين، من بينهم فاطمة خير وكليلة بونعيلات وسعيد أيت باجا وفريد الركراكي.
ولم يقتصر حضور الفنانين آنذاك على المشاركة في هياكل الحزب، إذ خاضت فاطمة خير وكليلة بونعيلات الاستحقاقات الانتخابية باسم التجمع الوطني للأحرار، وتمكنتا من الوصول إلى مجلس النواب، لتصبح التجربة واحدة من أبرز حالات انتقال أسماء من المجال الفني إلى العمل البرلماني خلال الولاية التشريعية الحالية.
وتواصل هذا الحضور مع اقتراب انتخابات 2026، من خلال ترشيح أسماء فنية جديدة، من بينها الفنانة فاطمة وشاي، التي زكاها حزب العدالة والتنمية وكيلة للائحته الجهوية بجهة الدار البيضاء-سطات، استعدادا للاستحقاقات التشريعية المقررة في 23 شتنبر المقبل.
المصدر:
العمق