دخلت جماعة بوسكورة بإقليم النواصر، خلال الفترة الأخيرة، في مفاوضات مع منعش عقاري معروف بالمنطقة، وذلك في محاولة لإيجاد صيغة توافقية بشأن حكم قضائي صادر ضد الجماعة، بعدما أصبح الملف يفرض نفسه على المسؤولين الجماعيين، بالنظر إلى القيمة المالية التي يتضمنها الحكم، والتي تتجاوز 300 مليون سنتيم.
وعلمت جريدة “العمق المغربي” من مصادر جيدة الاطلاع أن مسؤولين جماعيين دخلوا في اتصالات ومشاورات مع صاحب شركة متخصصة في مجال البناء والإنعاش العقاري، بهدف التوصل إلى صيغة منصفة، تسمح بتسوية الملف دون اللجوء إلى تنفيذ الحكم القضائي بشكل مباشر، خصوصا في ظل ما قد يترتب عن ذلك من انعكاسات على مالية الجماعة.
وأوضحت المصادر ذاتها أن أصل النزاع يرتبط بحسابات ضريبية لها علاقة بالضريبة على الأراضي العارية، وهي واحدة من الرسوم التي شكل تدبيرها واستخلاصها موضوع ملاحظات خلال عمليات افتحاص ومراقبة سابقة بالجماعة، في وقت باتت فيه الملفات الجبائية والتعميرية تحظى باهتمام كبير من طرف السلطات الإقليمية.
ويأتي هذا التطور في سياق حساس تعيشه بوسكورة، التي شهدت خلال الفترات الماضية تحولات سياسية وإدارية لافتة، بعدما أقدم عامل إقليم النواصر، جلال بنحيون، على توقيف رئيس الجماعة السابق بوشعيب طه وعدد من المنتخبين، على خلفية اختلالات أحيلت على القضاء.
وبحسب المعطيات التي حصلت عليها الجريدة، فإن ملف الحكم القضائي الجديد يعيد إلى الواجهة طريقة تدبير الملفات الجبائية داخل الجماعة، خصوصا تلك المتعلقة بالأراضي العارية، في منطقة تعرف توسعا عمرانيا واستثماريا متسارعا، الأمر الذي يجعل الرسوم والواجبات المرتبطة بالعقار موردا مهما من موارد الجماعة.
وتكتسي الضريبة على الأراضي العارية أهمية خاصة بالنسبة للجماعات الترابية، بالنظر إلى طبيعة الوعاء العقاري الذي تعرفه بوسكورة، والتي تحولت خلال السنوات الماضية إلى واحدة من أبرز المجالات العمرانية والاستثمارية المحيطة بمدينة الدار البيضاء.
وتشير المعطيات الرسمية للجماعة إلى أن موقعها القريب من العاصمة الاقتصادية ومطار محمد الخامس ساهم في تسريع الدينامية العمرانية والصناعية بها.
وتساءلت مصادر متتبعة للملف عن الأسباب التي أدت إلى وصول النزاع إلى مرحلة صدور حكم قضائي بمبلغ مالي يفوق 300 مليون سنتيم، قبل أن تتحرك الجماعة للبحث عن صيغة توافقية مع الطرف المعني، معتبرة أن الأمر يفرض توضيح مختلف مراحل احتساب المستحقات الضريبية والاعتراضات التي سبقت اللجوء إلى القضاء.
كما أن المفاوضات الجارية، وفق المصادر نفسها، لا تعني بالضرورة التراجع عن الحكم القضائي أو إلغاء آثاره، وإنما ترتبط بمحاولة إيجاد مخرج قانوني وتوافقي للملف، بما يحافظ على حقوق الجماعة ويجنبها، في الوقت نفسه، تداعيات مالية إضافية قد تنتج عن التأخر في معالجة النزاع.
ويكتسي هذا الجانب أهمية أكبر بالنظر إلى أن الجماعات الترابية مطالبة بالحفاظ على مواردها المالية وتحصيل مختلف الرسوم والضرائب المستحقة لفائدتها، مع احترام المساطر القانونية المعمول بها، خصوصا عندما يتعلق الأمر بملفات مرتبطة بالقطاع العقاري الذي يعرف نشاطا كبيرا في بوسكورة.
وتعود القضية إلى الواجهة أيضا في ظل التدقيق الذي رافق في السابق طريقة تدبير مجموعة من الملفات داخل جماعة بوسكورة، حيث سبق أن تضمنت تقارير معطيات عن وصول ملاحظات من المفتشية العامة للإدارة الترابية إلى رئيس الجماعة السابق، في سياق افتحاصات شملت عددا من مجالات التدبير الجماعي.
وتفيد المعطيات المتداولة حول تلك الملفات بأن ملاحظات المفتشية لم تقتصر على جانب واحد، بل همت، بحسب ما أوردته مصادر إعلامية، ملفات مرتبطة بالتعمير والتدبير المالي، وهو ما جعل الجماعة تدخل مرحلة جديدة من المراقبة والتدقيق في عدد من القرارات والملفات التي كانت تدبر في المرحلة السابقة.
ويزيد ارتباط بعض هذه الملفات بالقطاع العقاري من حساسية الوضع، خصوصا أن بوسكورة أصبحت خلال السنوات الماضية مجالا لاستقطاب مشاريع سكنية واستثمارات عقارية مهمة، مستفيدة من موقعها الجغرافي والدينامية العمرانية التي تعرفها المنطقة، في الوقت الذي شهدت فيه الجماعة نموا عمرانيا وديموغرافيا متسارعا بفعل قربها من الدار البيضاء.
وفي هذا السياق، ينتظر أن تثير قضية الحكم القضائي وأسئلة تدبير الضريبة على الأراضي العارية نقاشا أوسع حول كيفية احتساب الرسوم العقارية، ومدى دقة المعطيات المعتمدة في تحديد الوعاء الضريبي، فضلا عن مسؤولية المصالح المختصة في تحيين قواعد البيانات وتتبع وضعية الأراضي الخاضعة للرسم.
كما يطرح الملف تساؤلات حول مآل باقي الملفات ذات الطابع الجبائي أو التعميري التي كانت موضوع ملاحظات أو منازعات، وما إذا كانت الجماعة تتجه إلى مراجعة شاملة لطريقة تدبير هذه الملفات، تفاديا لتكرار صدور أحكام قضائية قد ترتب أعباء مالية إضافية على ميزانيتها.
وبينما تتواصل المشاورات للوصول إلى صيغة توافقية بشأن الحكم الذي يتجاوز 300 مليون سنتيم، تظل الأنظار متجهة إلى ما ستسفر عنه هذه المفاوضات، وما إذا كانت ستنتهي بتسوية قانونية تحفظ حقوق الجماعة، أم أن الملف سيواصل مساره القضائي والتنفيذي.
وتأتي هذه التطورات في وقت تحاول فيه جماعة بوسكورة تجاوز تداعيات المرحلة السابقة وإعادة ترتيب عدد من الملفات الإدارية والمالية، في منطقة تعرف ضغطا عمرانيا واستثماريا كبيرا، ما يجعل طريقة تدبير الموارد والجبايات المحلية من أبرز الملفات التي ستظل تحت المجهر خلال المرحلة المقبلة.
المصدر:
العمق