أثار قرار المحكمة الدستورية رقم 277/26، الصادر في 11 غشت 2026، بشأن الإحالة المتعلقة بالقانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة، نقاشا قانونيا ودستوريا حول حدود الاختصاص الإجرائي للمحكمة، وشروط الإحالة عليها، ومدى إمكانية تدارك النواقص التي قد تشوب ملفات الإحالة إلى حين استكمال الوثائق المطلوبة.
وكان رئيس مجلس النواب قد أحال القانون على المحكمة الدستورية بتاريخ 8 يوليوز 2026، غير أن المحكمة انتهت إلى تعذر البت في الإحالة، بعدما تبين لها أن الملف لم يتضمن النص النهائي للقانون كما وافق عليه مجلس المستشارين في القراءة الثانية.
ويطرح القرار، في المقابل، سؤالا حول مدى إمكانية لجوء المحكمة، عند وجود نقص في وثائق الإحالة، إلى القواعد العامة للمسطرة المدنية لتدارك هذا النقص، أم أن طبيعة الرقابة الدستورية وحدود اختصاص المحكمة تفرض عليها الوقوف عند الوثائق التي أحيلت إليها.
إشكال مسطري ودستوري
اعتبر المحامي والحقوقي محمد أغناج أن تعليل المحكمة الدستورية يثير نقاشا قانونيا ودستوريا مهما، موضحا أن الأمر لا يتعلق في هذه الحالة بتقييم المسار التشريعي للقانون رقم 66.23، وإنما بمسألة إجرائية قد تكون لها آثار على تطور الفقه الدستوري والقضائي المغربي.
ويرى أغناج أن السؤال الأساسي يتمثل في مدى إمكانية استعانة المحكمة الدستورية بالقواعد العامة الواردة في قانون المسطرة المدنية عندما تواجه مسألة إجرائية لم ينظمها القانون التنظيمي المتعلق بالمحكمة أو نظامها الداخلي بشكل صريح.
وبحسب هذا الرأي، يمكن للمحكمة الاسترشاد بالقواعد العامة للمسطرة المدنية، شريطة ألا تتعارض مع المقتضيات الخاصة المنظمة لعملها، سواء تلك المنصوص عليها في الدستور أو القانون التنظيمي المتعلق بها أو نظامها الداخلي.
المادة 77.. هل كان بالإمكان تدارك النقص؟
استند أغناج، على وجه الخصوص، إلى المادة 77 من قانون المسطرة المدنية، ولا سيما فقرتها السادسة، التي تتيح لرئيس الهيئة أو القاضي المقرر أو القاضي المكلف بالقضية، عند الاقتضاء، إنذار الطرف أو وكيله أو محاميه من أجل تدارك البيانات غير التامة أو الإدلاء بالنسخ والمستندات المعتمدة داخل أجل محدد، تحت طائلة الحكم بعدم القبول.
ويرى أغناج أن الاسترشاد بهذه القاعدة كان يمكن أن يتيح معالجة النقص المرتبط بالوثيقة المرفقة بالإحالة، بدل إنهاء المسطرة بقرار يقضي بتعذر البت.
ويعتبر أن اعتماد مثل هذه الآلية كان من شأنه، من وجهة نظره، تفادي ما قد يترتب عن القرار من نقاش بشأن حدود تدخل المحكمة الدستورية في معالجة النواقص الإجرائية، خصوصا إذا تعلق الأمر بوثائق يمكن استكمالها دون المساس بجوهر المنازعة الدستورية.
يقوم هذا الطرح على اعتبار قانون المسطرة المدنية إطارا عاما يمكن الاسترشاد ببعض قواعده لسد الفراغات الإجرائية، عندما لا يوجد نص خاص ينظم المسألة.
غير أن ذلك، وفق المحامي بهيئة الدار البيضاء، لا يعني تطبيق قواعد المسطرة المدنية بصورة آلية أمام المحكمة الدستورية، بل يظل مشروطا بعنصرين أساسيين.
أولهما، غياب مقتضى خاص في القانون التنظيمي المتعلق بالمحكمة الدستورية أو في نظامها الداخلي ينظم المسألة محل الإجراء. وثانيهما، ألا تتعارض القاعدة المستعان بها مع طبيعة القضاء الدستوري وخصوصية المنازعة الدستورية والآجال التي يفرضها الدستور والقوانين المنظمة لعمل المحكمة.
ويرى أغناج أن الاستعانة بالقواعد العامة للمسطرة المدنية، وفق هذا الاتجاه، لا ينبغي أن تتحول إلى وسيلة لتمديد الآجال أو تجاوز القواعد الخاصة بالقضاء الدستوري، وإنما تقتصر على معالجة المسائل الإجرائية التي لم يتدخل المشرع لتنظيمها.
الرقابة السابقة على دستورية القوانين
من جهته، اعتبر المحامي بهيئة الرباط محمد بنساسي أن قرار المحكمة الدستورية لا يمثل حكما بدستورية القانون رقم 66.23 أو بعدم دستوريته، وإنما يتعلق بتعذر البت في الإحالة على حالتها، بسبب عدم توفر المحكمة على النص النهائي للقانون كما وافق عليه مجلس المستشارين في القراءة الثانية.
وأوضح بنساسي أن أهمية القرار تكمن في أبعاده الدستورية والمؤسساتية والمسطرية، باعتباره يعكس، بحسب تقديره، حرص المحكمة على التقيد بالشروط والضوابط المؤطرة لممارسة اختصاصها في مجال الرقابة السابقة على دستورية القوانين.
وأشار إلى أن المحكمة لم تنتقل إلى فحص مضمون القانون أو مناقشة مدى مطابقته لأحكام الدستور، لأن الإشكال انصب أساسا على مسطرة الإحالة وعلى تحديد النص الذي يفترض أن يكون موضوعا للرقابة.
وبحسب بنساسي، فقد أحال رئيس مجلس النواب الملف على المحكمة مرفقاً بنسخة من تقرير لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان بمجلس المستشارين حول مشروع القانون رقم 66.23 في إطار القراءة الثانية، وكان التقرير يتضمن مشروع القانون كما وافق عليه مجلس النواب في القراءة الثانية بتاريخ 6 يوليوز 2026.
غير أن الإحالة، وفق ما سجله قرار المحكمة، لم تتضمن النص النهائي للقانون كما وافق عليه مجلس المستشارين في القراءة الثانية بتاريخ 7 يوليوز 2026.
ويرى بنساسي أن هذه النقطة تمثل جوهر قرار تعذر البت، موضحاً أن المحكمة لم تعتبر مشروع القانون الوارد في تقرير اللجنة بديلاً عن النص النهائي الذي تمت الموافقة عليه، باعتبار أن محل الرقابة الدستورية، في إطار الفقرة الثالثة من الفصل 132 من الدستور، هو القانون بعد تمام الموافقة عليه.
وأضاف أن الأمر، من هذه الزاوية، لا يتعلق بمجرد نقص شكلي في إحدى وثائق الملف، وإنما بإشكال مرتبط بتحديد النص القانوني نفسه الذي يفترض أن تمارس المحكمة رقابتها عليه.
حدود تدخل المحكمة في استكمال وثائق الإحالة
وبحسب بنساسي، لم يكن بإمكان المحكمة استنتاج النص النهائي من باقي وثائق الملف أو استبدال النص الذي وافق عليه مجلس المستشارين بمشروع القانون الوارد في تقرير لجنة العدل والتشريع.
كما يرى أن المحكمة لم يكن بإمكانها استكمال ما اعتبرته ناقصاً في الإحالة من تلقاء نفسها، بالنظر إلى حدود اختصاصها والمسؤولية المؤسساتية للجهة التي تباشر مسطرة الإحالة.
ويؤكد أن أهمية القرار تكمن أساساً في تكريس ضوابط الإحالة على الرقابة الدستورية، التي يتعين أن تستوفي شروطها وعناصرها حتى تتمكن المحكمة من ممارسة اختصاصها على أساس نص قانوني محدد ونهائي.
في المقابل، شدد بنساسي على ضرورة عدم تحميل القرار أكثر مما يحتمل، خصوصاً فيما يتعلق بمدى مطابقة قانون تنظيم مهنة المحاماة لأحكام الدستور.
وأوضح أن المحكمة لم تناقش في قرارها المقتضيات المتعلقة بضمانات الدفاع أو استقلال مهنة المحاماة أو الحق في المحاكمة العادلة، أو غيرها من المسائل التي قد تثير نقاشاً دستورياً بشأن مضمون القانون.
وأضاف أن المحكمة لم تصل أصلاً إلى مرحلة الفحص الموضوعي للنص، وهو ما يعني أن الباب يظل مفتوحاً أمام استكمال المسطرة وفق الشروط الدستورية والقانونية المطلوبة، في حال تقررت إعادة الإحالة، من خلال تقديم النص النهائي للقانون كما وافق عليه مجلس المستشارين في القراءة الثانية.غير أن هذا الاحتمال، وفق المحامي نفسه، يصطدم بعامل الزمن، في ظل اقتراب موعد الانتخابات التشريعية.
بين الصرامة الإجرائية وفعالية الرقابة الدستورية
يعيد قرار المحكمة الدستورية، في نهاية المطاف، طرح سؤال أوسع يتعلق بالتوازن بين احترام القواعد الإجرائية وضمان فعالية الرقابة على دستورية القوانين.
فالوثائق والشروط الشكلية المرتبطة بالإحالة ليست مجرد إجراءات ثانوية، بل ترتبط بسلامة المسطرة وبقدرة المحكمة على تحديد النص الذي ستباشر بشأنه رقابتها الدستورية. غير أن النقاش الذي أثاره القرار يتمحور حول ما إذا كان النقص المسجل في الملف قابلاً للتدارك إجرائياً، أم أنه يشكل عائقاً يحول دون ممارسة المحكمة لاختصاصها.
ومن هذه الزاوية، لا ينحصر النقاش في تقييم القرار باعتباره صوابا أو خطأ، بقدر ما يرتبط بتحديد الحدود التي يمكن للمحكمة الدستورية أن تتحرك داخلها لمعالجة النواقص الإجرائية، دون أن تتجاوز اختصاصاتها أو تحل محل الجهة المؤسساتية المكلفة بالإحالة.
وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة بالنظر إلى إمكانية تحول التوجه القضائي الذي ستستقر عليه المحكمة مستقبلا إلى مرجع في قضايا مماثلة، ولا سيما فيما يتعلق بالوثائق الواجب إرفاقها بالإحالات، وإمكانية تدارك النواقص الشكلية، وحدود الاستعانة بالقواعد العامة للمسطرة المدنية.
وبذلك، فإن قرار المحكمة الدستورية بشأن القانون رقم 66.23 لا يحسم الجدل حول دستورية مقتضيات قانون تنظيم مهنة المحاماة، بقدر ما يسلط الضوء على شروط الإحالة وحدود اختصاص المحكمة في التعامل مع النواقص الإجرائية.
وفي انتظار ما قد تفرزه الممارسة القضائية اللاحقة، يبقى السؤال مفتوحا أمام الفقه والقضاء المغربيين حول مدى إمكانية تدارك النواقص التي لا تمس جوهر الإحالة، وحول الحدود الفاصلة بين الصرامة التي تفرضها خصوصية القضاء الدستوري والمرونة الإجرائية التي قد تكون ضرورية لضمان فعالية الرقابة على دستورية القوانين.
المصدر:
العمق