في وقت تتسارع فيه التحضيرات غير المعلنة للاستحقاقات التشريعية المقبلة، عادت العلاقة بين المال العقاري والسياسة إلى واجهة النقاش، بعدما كشفت مصادر عليمة لجريدة العمق المغربي عن تحركات يقودها عدد من المنعشين العقاريين بالدار البيضاء، تستهدف محاولة اقتناء عقارات وأراض عارية بمناطق استراتيجية وذات قيمة مالية مرتفعة، تمهيدا لإطلاق مشاريع سكنية واستثمارية تقدر قيمتها بمليارات السنتيمات.
وأفادت المصادر ذاتها بأن عددا من الشركات العقارية شرعت خلال الأشهر الأخيرة في إعداد مخططات استثمارية تشمل مناطق تعرف طلبا متزايدا على السكن، وفي مقدمتها دائرة عين الشق، التي أصبحت من أكثر المناطق استقطابا للمشاريع العقارية الكبرى، بالنظر إلى موقعها الجغرافي وشبكة بنياتها التحتية وقربها من المحاور الاقتصادية للعاصمة الاقتصادية.
وأضافت المصادر أن بعض المنعشين العقاريين لا يكتفون بالبحث عن العقارات المناسبة، بل يعملون بالتوازي على بناء شبكة من العلاقات مع منتخبين محليين وفاعلين سياسيين بالدائرة المذكورة، بهدف تسهيل مختلف المساطر الإدارية والتقنية المرتبطة بالحصول على التراخيص ورخص البناء والتجزئات، فضلا عن تسريع دراسة الملفات داخل المصالح المختصة.
وأكدت مصادر الجريدة أن جزءا من هذه التحركات يتزامن مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية، حيث يحاول بعض الفاعلين الاقتصاديين نسج علاقات مع أحزاب توصف بالإدارية وذات توجه ليبرالي، من خلال تقديم أشكال مختلفة من الدعم للحملات الانتخابية أو المساهمة في تمويل أنشطة مرتبطة بها، أملا في ضمان بيئة أكثر ملاءمة لاستثماراتهم مستقبلا.
وتشير المعطيات المتوفرة إلى أن بعض القيادات الحزبية، من بينها شخصيات ابتعدت عن الواجهة السياسية خلال الفترة الأخيرة، ما تزال تحتفظ بقنوات تواصل مؤثرة مع رجال الأعمال والمنعشين العقاريين، وهو ما يجعلها تلعب أدوارا غير معلنة في تقريب وجهات النظر بين المستثمرين وبعض المنتخبين والمسؤولين المحليين، وفق المصادر نفسها.
وسجلت المصادر أن الرهان الأساسي بالنسبة لهؤلاء المستثمرين لا يقتصر على اقتناء العقارات، بل يمتد إلى ضمان سرعة معالجة الملفات داخل الإدارات المعنية، وتجاوز العراقيل القانونية والإدارية التي قد تؤخر انطلاق المشاريع مع منح بعض التسهيلات المشبوهة، عبر البحث عن تأويلات أو اجتهادات قانونية تمكن من تسوية بعض الإشكالات المرتبطة بالتعمير واستغلال العقار.
وتحذر مصادر الجريدة من أن تداخل المصالح الاقتصادية مع الحسابات السياسية قد يثير تساؤلات بشأن تكافؤ الفرص بين المستثمرين، خاصة إذا تحول النفوذ السياسي إلى وسيلة لتيسير المساطر لفائدة جهات دون أخرى، وهو ما يستدعي، بحسب المصادر، تشديد الرقابة على مساطر منح الرخص واحترام قواعد الشفافية والمنافسة.
وفي المقابل، شددت المعطيات ذاتها على أن الاستثمار العقاري يظل رافعة أساسية للتنمية الاقتصادية وخلق فرص الشغل، غير أن نجاحه يظل رهينا باحترام القانون وإبعاد أي شبهة لاستغلال النفوذ أو توظيف العلاقات السياسية في خدمة المصالح الخاصة، بما يضمن حماية المرفق العام وتعزيز ثقة المستثمرين والمواطنين على حد سواء.
وتتجه الأنظار خلال المرحلة المقبلة إلى الكيفية التي ستتعامل بها السلطات المختصة مع هذه المعطيات، خاصة في ظل تشديد الدولة على مبادئ الحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة، مع اقتراب محطة انتخابية يرتقب أن تعرف تنافسا كبيرا، وسط دعوات متزايدة إلى تحصين العملية السياسية من تأثير المال والمصالح الاقتصادية الضيقة.
المصدر:
العمق