آخر الأخبار

الصديقي: الأدوات الأمنية للأوروبيين استُنفدت.. والتنمية هي الحل المستدام للهجرة

شارك

أكد أستاذ القانون الدولي والعلاقات الدولية، سعيد الصديقي، أن موجة الهجرة غير النظامية التي شهدتها السواحل المغربية في اتجاه إسبانيا خلال الأيام الأخيرة تعود إلى تداخل عوامل بنيوية وظرفية، مشيرا إلى أن الفوارق الاقتصادية بين المغرب والاتحاد الأوروبي، إلى جانب بعض التطورات القانونية في إسبانيا، ساهمت في تشجيع عدد من الشباب على محاولة العبور.

وأوضح الصديقي، خلال مداخلة تلفزيونية، أن الأسباب البنيوية للهجرة تتمثل أساسا في التفاوت الكبير في مستوى المعيشة بين المغرب وإسبانيا والاتحاد الأوروبي بشكل عام، فضلا عن ارتفاع معدلات البطالة، خاصة في صفوف الشباب، حيث تصل إلى نحو 29 في المائة، في حين يتجاوز المعدل العام للبطالة في المغرب 10 في المائة، وهو ما يخلق حالة من الإحباط لدى شريحة واسعة من الشباب الباحث عن فرص أفضل للعيش والعمل.

وأضاف أن هذه الأسباب الاقتصادية ترافقت مع عوامل ظرفية، أبرزها قرار المحكمة العليا الإسبانية القاضي بمنع إعادة المهاجرين الذين يصلون إلى السواحل الإسبانية عن طريق البحر، إلى جانب الحديث عن إصلاحات قانونية جديدة في إسبانيا تهدف إلى تسوية الوضعية القانونية لآلاف المهاجرين ومنحهم إقامات أو جنسيات وفق شروط محددة.

وأشار الصديقي في تحليل أدله به لقناة “CNBC عربية”، إلى أن التغطية الإعلامية والنقاشات الواسعة على مواقع التواصل الاجتماعي فسرت هذه الإجراءات على أنها فرصة سانحة للراغبين في الهجرة، حيث ساد الاعتقاد بأن الوصول إلى الأراضي الإسبانية سيؤدي تلقائيا إلى تسوية الوضعية القانونية في فترة وجيزة، وهو ما أسهم في زيادة الإقبال على محاولات الهجرة.

ورجح الصديقي أن تكون هذه الموجة مؤقتة وعابرة، غير أنه استبعد أن تختفي الظاهرة بشكل نهائي، معتبرا أن استمرار الفوارق الاقتصادية بين ضفتي البحر الأبيض المتوسط، إضافة إلى استمرار وجود معابر الهجرة نحو مدينتي سبتة ومليلية، سيبقيان من العوامل التي قد تؤدي إلى تكرار مثل هذه الموجات مستقبلا.

وفي معرض حديثه عن دور المغرب، أوضح أن التعاون المغربي الإسباني في مجال تدبير الهجرة قائم منذ سنوات، سواء على المستوى الثنائي أو في إطار الاتفاقيات الموقعة مع الاتحاد الأوروبي، مؤكدا أن هذا التعاون يشمل التنسيق الأمني ومراقبة الحدود وإعادة بعض المهاجرين.

وأضاف أن المغرب يحرص في الوقت نفسه على التأكيد بأنه لا يمكن أن يتحول إلى “دركي” لحماية الحدود الجنوبية للاتحاد الأوروبي دون شراكة متوازنة، مشيراً إلى أن المسؤولين المغاربة سبق أن أكدوا في أكثر من مناسبة أن تحمل هذه المسؤولية يتطلب دعما ماليا وتنمويا وسياسيا يتناسب مع حجم الأعباء التي يتحملها المغرب.

ولفت الصديقي إلى أن السلطات المغربية لم تصدر، حتى لحظة إجراء المقابلة، أي توضيح رسمي بشأن الأحداث الأخيرة، وهو ما أثار العديد من التساؤلات حول خلفيات ما جرى، في وقت أشاد فيه رئيس الحكومة الإسبانية بالتعاون الذي تبديه السلطات المغربية في مجال مكافحة الهجرة غير النظامية، مؤكدا أن عمليات إعادة عدد من المهاجرين الذين دخلوا إلى مدينة سبتة تمت في إطار هذا التعاون المستمر بين البلدين.

وأكد أن قضية الهجرة لا تقتصر على المواطنين المغاربة فقط، بل تشمل أيضا مئات الآلاف من المهاجرين المنحدرين من دول إفريقيا جنوب الصحراء، الذين يقيم عدد كبير منهم داخل المغرب في انتظار فرص مناسبة للعبور نحو أوروبا، وهو ما يجعل المملكة تواجه تحديات مضاعفة باعتبارها دولة مصدر وبلد عبور في الوقت نفسه.

وحول تداعيات الأزمة على العلاقات داخل الاتحاد الأوروبي، أوضح الصديقي أن الاختلافات بين الحكومات الأوروبية تعكس تباينا في الرؤى بشأن كيفية إدارة ملف الهجرة، مشيرا إلى أن الحكومة الإسبانية تتبنى سياسة أكثر انفتاحا تقوم على احترام حقوق الإنسان، بينما تدفع حكومات أخرى، مثل الحكومة الإيطالية وبعض حكومات أوروبا الشرقية، نحو تشديد إجراءات الهجرة وتعزيز الرقابة على الحدود.

وأضاف أن الضغوط التي مارستها رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني على الحكومة الإسبانية، بما في ذلك الدعوة إلى اتخاذ إجراءات أكثر صرامة في إطار فضاء “شنغن”، تعكس هذا التباين في المقاربات، غير أنه استبعد أن تؤدي إلى تغيير جذري في السياسة الإسبانية، متوقعاً أن يقتصر الأمر على تعزيز الدعم الأمني واللوجستي لإسبانيا وتشديد المراقبة على الحدود الجنوبية للاتحاد الأوروبي.

وأشار إلى أن وزراء داخلية دول الاتحاد الأوروبي سيواصلون مناقشة هذا الملف في اجتماعاتهم، إلا أن الخيارات المطروحة ستظل، في الغالب، محصورة في تعزيز التعاون الأمني ودعم إمكانيات مراقبة الحدود، دون إحداث تحول كبير في السياسة الأوروبية تجاه الهجرة.

وشدد الصديقي على أن الاتحاد الأوروبي استنفد إلى حد كبير الأدوات الأمنية التي اعتمدها خلال السنوات الماضية، مؤكدا أن الهجرة أصبحت قضية إنسانية وتنموية تتجاوز المقاربة الأمنية التقليدية، ولا يمكن الحد منها عبر تشديد المراقبة أو بناء مزيد من الحواجز فقط.

ودعا إلى اعتماد حلول تنموية شاملة تقوم على دعم دول المصدر ودول العبور، وفي مقدمتها المغرب، من خلال تعزيز الاستثمارات، وخلق فرص العمل، وتحسين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، بما يحد من الدوافع التي تدفع الشباب إلى المخاطرة بحياتهم في رحلات الهجرة غير النظامية.

وأشار كذلك إلى أن المغرب لم يعد مجرد بلد يصدر المهاجرين، بل تحول إلى دولة عبور رئيسية نحو أوروبا، وهو ما يفرض، بحسب تعبيره، تقاسماً عادلاً للمسؤوليات بين الرباط وشركائها الأوروبيين.

وأكد الصديقي أن الصور التي انتشرت خلال الأحداث الأخيرة لا تعكس الواقع الحقيقي للأوضاع داخل المغرب، موضحا أن العديد ممن حاولوا الهجرة لا ينتمون بالضرورة إلى الفئات الأكثر فقرا، بل إن بعضهم يتوفر على عمل أو يعيش أوضاعا مستقرة نسبيا، إلا أن الفارق الكبير في مستويات الدخل والعيش بين المغرب وأوروبا يدفعهم إلى البحث عن فرص أفضل، وهو ما يجعل الاستثمار في التنمية وخلق فرص الشغل وتعزيز التعاون الاقتصادي بين المغرب والاتحاد الأوروبي الحل الأكثر استدامة لمعالجة الظاهرة والحد من تكرارها مستقبلاً.

العمق المصدر: العمق
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا