بدأت موجة العبور الجماعي نحو مدينة سبتة المحتلة تنحسر ميدانيا، السبت، بعدما توقف تدفق المهاجرين بشكل شبه كامل، بالتزامن مع تشديد السلطات المغربية مراقبة ساحل الفنيدق، وبدء إسبانيا تركيب حاجز بحري جديد في منطقة معبر تاراخال.
وأعلنت السلطات الإسبانية ارتفاع حصيلة ضحايا موجة العبور غير المسبوقة إلى 67 قتيلا، بعدما انتشلت عناصر الحرس المدني عشر جثث إضافية منذ مساء الجمعة، في وقت تتواصل فيه عمليات التمشيط والبحث داخل البحر عن ضحايا محتملين.
وأفادت مندوبية الحكومة الإسبانية في سبتة بأن عدد الجثث التي عثر عليها في مياه المدينة منذ بداية السنة ارتفع إلى 97 جثة، مقابل 46 جثة خلال سنة 2025 بكاملها، بينما لا تزال الحصيلة مرشحة للارتفاع مع استمرار عمليات البحث في المنطقة البحرية المحاذية للحدود.
وبحسب أحدث أرقام الحكومة الإسبانية، دخل ما بين 50 و60 ألف شخص إلى سبتة خلال موجة العبور التي بلغت ذروتها الخميس، قبل أن يعود أكثر من 48 ألفا منهم إلى المغرب في غضون أقل من 48 ساعة.
وقال وزير الداخلية الإسباني فرناندو غراندي مارلاسكا إن تدفقات المهاجرين توقفت خلال ليلة الجمعة السبت، مؤكدا أن التعزيزات الأمنية والعسكرية ستظل منتشرة في المدينة ما دامت الحاجة قائمة، رغم ما وصفه بعودة الوضع تدريجيا إلى طبيعته.
وفي خطوة تهدف إلى منع تكرار عمليات العبور سباحة، شرعت وزارة الداخلية الإسبانية في تركيب حاجز بحري يمتد لمسافة 500 متر بمحاذاة حاجز الأمواج في تاراخال، ويتكون من أنبوب عائم يرتفع ما بين 30 و70 سنتيمترا فوق سطح الماء، مع جزء مغمور يصل إلى عمق متر واحد، إضافة إلى خط من العوامات المثبتة في قاع البحر.
وأوضحت وزارة الداخلية الإسبانية أن إقامة الحاجز تأتي تنفيذا لحكم المحكمة العليا الصادر في 8 يوليوز الماضي، والذي اعتبر أن الإعادة الفورية على الحدود لا يمكن تطبيقها على الأشخاص الذين يدخلون سباحة في غياب حواجز مادية تمنع وصولهم إلى الأراضي الخاضعة للسيادة الإسبانية.
وسيترك ممر بين الحاجز العائم وخط العوامات لتمكين زوارق الحرس المدني من مراقبة المنطقة، غير أن نقابة الحرس المدني طالبت بإرسال ما لا يقل عن 200 عنصر إضافي، محذرة من احتمال محاولة بعض المهاجرين تجاوز الحاجز الجديد سباحة من أطرافه.
وعلى الجانب المغربي، فرضت القوات العمومية طوقا أمنيا مشددا على طول الشريط الساحلي بمدينة الفنيدق، وأقامت حواجز امتد بعضها إلى داخل البحر لمنع مجموعات من الشباب من التقدم نحو سبتة، فيما شهد السبت تسجيل محاولات محدودة قبل أن يتوقف العبور بصورة شبه تامة.
وبالتوازي مع الانفراج الميداني، انتقلت الأزمة إلى المستوى الأوروبي، إذ تقرر عقد اجتماع طارئ لوزراء داخلية الاتحاد الأوروبي عبر تقنية التناظر المرئي، الثلاثاء المقبل، بطلب من إسبانيا و22 دولة عضوا، لمناقشة حماية الحدود الخارجية للاتحاد وتداعيات التدفق الجماعي نحو سبتة.
وأكدت الحكومة الإسبانية أن أيا من الأشخاص الذين دخلوا سبتة بصورة غير نظامية لم ينتقل إلى شبه الجزيرة الإيبيرية أو إلى بقية فضاء “شنغن”، مشيرة إلى وجود مراقبة أمنية مزدوجة في الموانئ والمطارات، وأن الدخول إلى سبتة لا يمنح صاحبه حق الانتقال إلى الأراضي الإسبانية أو الأوروبية.
وفي آخر التطورات السياسية، أعلن حزب “سومار”، الشريك في الحكومة الإسبانية، مراسلة المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بحقوق الإنسان للمهاجرين، مطالبا بفحص مسؤولية المغرب عن ظروف الأزمة وسقوط الضحايا، معتبرا أن عبور عشرات الآلاف خلال ساعات “لا يتوافق مع تدفق هجرة عادي”، وقد يشير، بحسب ادعائه، إلى “تسهيل أو تقاعس” من جانب السلطات المغربية.
وفي المقابل، تمسك وزير الداخلية الإسباني بوصف المغرب بأنه “شريك موثوق بالكامل”، محملا شبكات تهريب البشر مسؤولية استغلال الأوضاع الاجتماعية وترويج تفسير مضلل لحكم المحكمة العليا بشأن منع الإعادة الفورية للمهاجرين الذين يصلون سباحة.
وبينما بدأت الحركة تعود تدريجيا إلى معبر تاراخال، تستمر عمليات البحث عن المفقودين وانتشال الجثث، وسط مخاوف حقوقية من أن تكون الحصيلة البشرية الفعلية أكبر من الأرقام المعلنة حتى الآن.
إلى ذلك، شددت المنظمة المغربية لحقوق الإنسان على أن الحق في الحياة يعد حقا أصيلا وأساسيا، وأن حمايته تمثل التزاما قانونيا وحقوقيا يقع على عاتق جميع الدول والأطراف المعنية، طبقا لمقتضيات القانون الدولي لحقوق الإنسان، خصوصا في سياقات الهجرة.
وأورد بيان للمنظمة أن شهادات متقاطعة تحدثت عن تعرض عدد من الوافدين لاعتداءات جسدية من طرف عناصر وصفت بـ”المدنية” داخل سبتة المحتلة، فيما أشارت تقارير إعلامية من داخل المدينة إلى أن الطاقة الاستيعابية للأماكن المخصصة لإيداع الجثامين لا تتجاوز تسعة أماكن.
ودعت المنظمة إلى اتخاذ تدابير استعجالية للكشف عن مصير جميع المفقودين الذين يعتقد أنهم وصلوا إلى سبتة أو فقد أثرهم خلال محاولات العبور، مع ضمان حق عائلاتهم في معرفة الحقيقة والحصول على المعلومات المتعلقة بأوضاعهم ومصائرهم.
كما طالبت باتخاذ الإجراءات العلمية والقانونية اللازمة لتحديد هويات الضحايا والجثامين مجهولة الهوية، من خلال إجراء التشريح الطبي الشرعي وتحاليل الحمض النووي، وإحداث آليات فعالة لتبادل المعلومات بين الجهات المختصة بما يتيح التعرف السريع والدقيق على الضحايا.
ودعت المنظمة المغربية لحقوق الإنسان إلى إنشاء آلية تنسيق مشتركة بين السلطات المغربية والإسبانية، بهدف تسريع إجراءات التعرف على الجثامين وإعادتها إلى أسرها في أقرب الآجال، بما يحفظ كرامة الضحايا ويصون حقوق ذويهم.
وطالبت، في السياق نفسه، السلطات الحكومية الإسبانية بفتح تحقيق عاجل في الاعتداءات الجسدية التي قالت إن بعض الوافدين تعرضوا لها، بما في ذلك حالات استعملت فيها أسلحة بيضاء ووثقتها تسجيلات متداولة عبر منصات التواصل الاجتماعي.
المصدر:
العمق