هبة بريس – أحمد المساعد
لم تعد ليالي الصيف في مدينة وجدة كما كانت عليه سابقا؛ فبعد أن كانت شوارع عاصمة الشرق تصدح بأبواق السيارات ومواكب الأعراس، وبُعيد سنين من الاعتماد شبه الكلي على “اقتصاد الحفلات” كعصب تنموي بديل عقب إغلاق الحدود، تشهد المنطقة تراجعا لافتا في تنظيم الأعراس والمناسبات الكبرى، وهو ما يدق ناقوس الخطر حول القيمة الاقتصادية والاجتماعية لهذه الظاهرة.
لم يكن العرس الوجدي مجرد مناسبة عائلية، بل كان محركا اقتصاديا متكاملا تُضخ فيه ملايين الدراهم وتستفيد منه سلسلة طويلة من المهن والأعمال المحلية. بدءا من قاعات الأفراح والممولين (التموين)، مرورا بالصناعة التقليدية (الخياطة والخياطين)، وصولا إلى بائعي الخضر، الجزارة، أصحاب المخابز والحلويات، والمشرفين على الخدمات اللوجستية.
اليوم، أصبحت العديد من القاعات في طريق جرادة أو طريق الحدود تواجه شللا شبه تام أو حتّى إلغاءات متتالية، بعدما كان الحجز فيها يتطلب الانتظار لعام كامل قبل موعد الحفل. هذا التراجع انعكس مباشرة على اليد العاملة المحلية وتسبب في ركود تجاري شمل مختلف الأنشطة المرتبطة بالأفراح.
يرجع المتابعون للشأن المحلي هذا الانكماش إلى ارتفاع تكاليف الزواج بشكل غير مسبوق. فالتفاصيل البروتوكولية المتزايدة، بدءاً من متطلبات “النكافة” التي أضحت تفرض مبالغ خيالية، مرورا بالفرق الموسيقية، وصولا إلى مصاريف القاعات والوجبات، رفعت ميزانية تنظيم عرس متوسط إلى مستويات قياسية قد تتجاوز 40 أو 50 مليون سنتيم.
إلى جانب العوامل الاقتصادية والغلاء المعيشي العام، تبرز عوامل اجتماعية أخرى ساهمت في تراجع الاعراس التقليدية الكبرى: الخوف من مخاطر الالتزامات المالية: أضحى العديد من الشباب يتحاشون الوقوع في فخ القروض والديون الثقيلة لأجل ليلة واحدة، خاصة مع تزايد حالات الطلاق المبكر التي جعلت التضحيات المالية الكبيرة تترافق مع مخاطر اجتماعية عالية؛ التحول نحو البساطة: اتجهت بعض الأسر والشباب إلى خيارات أكثر واقعية، من خلال الاكتفاء بحفلات خفيفة ومقتضبة داخل المنازل أو بين المقربين فقط، واستغلال الميزانيات المتاحة في السكن أو بدء الحياة الزوجية بعيداً عن الاستعراض؛ ضغوط المجتمع والعائلات: ما زال “العرس” في كثير من الأحيان محكوماً برغبات الأهل والمحيط الاجتماعي وفرض بروتوكولات تفوق إمكانيات الزوجين، مما يزيل البُعد الفردي للقرار ويحوله إلى عبء اجتماعي ومالي.
بين التغيرات الاقتصادية الحادة وتراجع القدرة الشرائية من جهة، والتحولات السلوكية لدى الشباب من جهة أخرى، يقف قطاع الأفراح والمناسبات بمدينة وجدة أمام مراجعة حتمية.
المصدر:
هبة بريس