في ظل تصاعد موجات حرائق الغابات واتساع رقعتها في عدد من دول حوض البحر الأبيض المتوسط، طرح الخبير المغربي في البيئة والتنمية، أحمد الطلحي، مبادرة لتأسيس “جيش مدني متوسطي” متخصص في مكافحة حرائق الغابات، داعيا إلى الانتقال من التعاون الظرفي بين الدول إلى تحالف إقليمي دائم ومنظم، قادر على التدخل السريع والحد من الخسائر البشرية والبيئية.
وأرفق الطلحي مقترحه بإطلاق عريضة إلكترونية دولية ، أمس الإثنين، تحت عنوان “اقتراح تشكيل جيش مدني متوسطي لمواجهة حرائق الغابات”، بهدف حشد الدعم للمبادرة من مختلف دول المتوسط، معتبرا أن الحرائق المتكررة التي تشهدها المنطقة لم تعد شأنا محليا، بل تحولت إلى تحد بيئي عابر للحدود يستوجب استجابة جماعية.
وأوضح الخبير المغربي أن المبادرة تأتي بعد عام من إطلاقه مقترحا مماثلا عقب الحرائق الواسعة التي شهدتها سوريا، غير أن تفاقم الظاهرة خلال الأشهر الأخيرة، واتساع رقعة النيران في عدة بلدان متوسطية، دفعاه إلى تجديد الدعوة في ظل ما وصفه بـ”الواقع المناخي الجديد” الذي يجعل من الحرائق ظاهرة أكثر تكرارا وشدة.
وأشار الطلحي إلى أن دولا عدة، من بينها فرنسا وإسبانيا والجزائر وتونس والمغرب، عرفت خلال الفترة الأخيرة حرائق كبيرة أتت على مساحات واسعة من الغابات، وأجبرت السلطات في بعض الحالات على إجلاء عشرات الآلاف من السكان، في وقت تتزايد فيه المؤشرات العلمية التي تربط اتساع هذه الكوارث بتداعيات التغيرات المناخية وارتفاع درجات الحرارة.
واستند المقترح إلى معطيات تفيد بأن الدول الـ21 المطلة على البحر الأبيض المتوسط تتوفر مجتمعة على أكثر من 112 مليون هكتار من الغابات، تتركز ثلثاها في إسبانيا وفرنسا وتركيا، ما يجعل المنطقة من أكثر الأقاليم عرضة لحرائق الغابات خلال فصل الصيف.
ويرى صاحب المبادرة أن التعاون القائم حاليا بين الدول المتوسطية في مواجهة الحرائق يظل محدودا وموسميا، ويقتصر غالبا على طلبات المساعدة المتبادلة عند اندلاع الحرائق الكبرى، دون وجود آلية دائمة للتنسيق أو قوة مشتركة للتدخل السريع.
وأكد أن أحد أبرز الإكراهات يتمثل في محدودية عدد الطائرات المتخصصة في إخماد الحرائق، وعلى رأسها طائرات “كنادير”، التي تعد الوسيلة الأكثر فعالية في مواجهة النيران الكبرى، مشيرا إلى أن سبع دول متوسطية فقط تمتلك هذا النوع من الطائرات، بإجمالي لا يتجاوز 85 طائرة.
ويشير المصدر ذاته، إلى أن إسبانيا وإيطاليا تتوفران على 18 طائرة من هذا النوع لكل منهما، مقابل 12 لفرنسا، و17 لليونان، و6 لتركيا ومثلها لكرواتيا، فيما يملك المغرب 8 منها حاليا.
ولفت إلى أن المغرب يعد الدولة العربية والإفريقية الوحيدة التي تتوفر على هذا الأسطول، بثماني طائرات، وهو عدد يفوق ما تمتلكه بعض الدول الأوروبية المتوسطية، في حين ما تزال دول أخرى تنتظر تسلم طلبياتها الجديدة ما بين سنتي 2028 و2030، بسبب محدودية الطاقة الإنتاجية للشركة الكندية المصنعة بعد استئناف الإنتاج إثر توقف دام عشر سنوات.
ويقترح الطلحي إنشاء قوة مدنية متوسطية دائمة تكون في حالة جاهزية مستمرة، وتتدخل بشكل فوري في الدول التي تشهد حرائق واسعة، بما يضمن تقليص زمن الاستجابة والحد من حجم الخسائر.
ويتضمن المقترح، وفق صاحبه، تنظيم دورات تكوينية وتدريبية مشتركة، وإجراء مناورات دورية بين الدول الأعضاء، وإنشاء أسطول موحد من الطائرات المتخصصة في إخماد الحرائق، إلى جانب توحيد الأطر القانونية المنظمة للتدخل العابر للحدود، وإحداث ميزانية مشتركة لتمويل عمليات هذه القوة.
ويعتبر الطلحي أن مواجهة حرائق الغابات لم تعد مسؤولية كل دولة على حدة، بل أصبحت رهانا إقليميا ودوليا يفرض تطوير آليات جديدة للتعاون، خاصة في ظل التغيرات المناخية التي تزيد من حدة الظواهر الطبيعية المتطرفة.
ووشدد الخبير المغربي على أن الكوارث البيئية العابرة للحدود لا يمكن لأي دولة، مهما بلغت إمكاناتها، أن تواجهها بمفردها، مستحضرا قاعدة يعتبرها أساسية في تدبير القضايا العالمية، مفادها أن “الدول أكبر من المشاكل الصغرى وأصغر من المشاكل الكبرى”، في إشارة إلى أن تحديات مثل التغيرات المناخية وحرائق الغابات تتطلب استجابات جماعية تتجاوز الحدود الوطنية.
ودعا الطلحي المواطنين والفاعلين البيئيين والمؤسسات إلى دعم المبادرة عبر التوقيع على العريضة الإلكترونية، أملا في تحويلها إلى مشروع إقليمي يفتح نقاشا أوسع حول إرساء آلية متوسطية دائمة لمواجهة حرائق الغابات، في وقت تتزايد فيه التحذيرات من أن مواسم الحرائق ستصبح أكثر شدة واتساعا خلال السنوات المقبلة.
المصدر:
العمق