آخر الأخبار

حميد يرثي جمال. عاش حياته بلا حساب بإسراف .

شارك

حميد زيد ـ كود//

حياته.

ليست كأي حياة.

كانت حياة بلا حساب.

وكان لا يحافظ عليها.

كان يبددها كي تكون أكثر من حياة.

وكي تستحق اسمها.

وقد عاشها.

عاش حياته كلها بإسراف.

ولم يكن يقتصد فيها.

ولم يكن يدخرها.

وحين كان يقرأ كان يفعل ذلك مثلما لا يفعل أحد.

كان يمنح القراءة كل ما يملك.

كان يمنحها حياته كلها.

كان يجعل ما يقرؤه يمشي معه. ويعيش فيه.

**

**

وقد رأيت ابن عربي مع أخي جمال زيد.

وكان معنا ابن عربي في البيت.

وفي غرفته.

وفي المقهى.

وعلى طاولة الطعام.

كان في رأسه.

كان مسرفا في الارتباط به.

كان فيه.

وكان ابن عربي مع كل أصدقاء جمال.

كان أخي يدلنا عليه.

وكان يعرّف الجميع عليه.

ولا يبخل على أحد.

كان هذا الصوفي مبهرا مع جمال زيد.

كان خارقا.

كان أكثر من ابن عربي الذي يوجد في الفتوحات وفي الفصوص.

وفي كل الشروح.

كان ما صنعه جمال زيد به.

كان خطيرا.

كان مثيرا.

كان يجذب الناس إليه بفعل أخي.

وقد أسرف فيه هو الآخر.

ومنحه كل ما يملك.

منحه حياته كلها.

منحه كل وقته.

كما أسرف في الليل.

وأسرف في النهار.

وأسرف في الطيبة.

وأسرف في صداقاته.

وأسرف في لا مبالاته.

وفي بحثه الجامعي.

وفي مواقفه.

وفي نظرته إلى الأشياء.

كل شيء. كل شيء. كان يفعله بإسراف.

وجدية.

ومع الوقت.

بدأت حياته تنقص.

وتتقلص.

ويأخذها منه المرض.

لكنها عاشها.

عاش حياته كلها بإسراف كما لم يعشها أحد.

**

**

ولم يكن جمال مثلنا يتراجع.

لم يكن يهاب الخطر.

لم يكن يقول علي أن أتوقف هنا. عند هذه الحافة.

وعند هذه النقطة.

لم يكن يخشى أن يسقط.

وكان صادقا.

لم يكن أبدا يخشى أن يحترق.

لم يكن يهاب أي فكرة.

كان كتابا كبيرا.

كان عملا أدبيا وفكريا خارقا.

وكان يمزقه.

وكل ما أنهاه.

كان يبدده مثلما كان يبدد حياته.

وقد قرأت كتبا كثيرة.

بينما كان كتاب جمال الذي لم يكتبه هو الأخطر.

وهو الكتاب الذي ذهب إلى أقصى الحدود.

وإلى الحافة.

وهو الذي ذهب بعيدا في الخيال. وفي النقد. وفي الفكر.

وما الخيال الذي أبحث عنه اليوم إلا خيال جمال.

وهو الذي دلني عليه.

وهو الذي شرحه لي.

وأنا أتبعه مثل أي تلميذ.

أنا تلميذ أخي.

وقد كان شيخي.

مثلما كان شيخ كثير من أصدقائه.

**

**

وما أجمل يسار شقيقي جمال

وما أشهاه.

وحين تسمع اليسار الذي يريده.

ولو كنت يمينيا.

فإنك تريد الذهاب إليه.

كان يشعرن اليسار.

كان يخترعه كل يوم.

كان يجدده بقوة الخيال.

كان حيا معه.

كان يخلصه من وثوقيته.

ومن فراغ أصحابه.

ومن نظرتهم المحدودة إلى الأشياء.

ومن ماديته.

كان يساره يسار روحيا.

كان يسار حب.

و عدالة.

وحرية.

و كان يأخذه معه هو الآخر إلى كل الأماكن الذي يذهب إليها.

كان ينثره حولنا.

وكان يلمع.

وكان مغريا.

كان يسارا جديدا وحيا وجذابا.

وقد تحقق معه.

وقد كان أنجح تجربة يسار عشتها.

وكانت تجربة شقيقي.

وهو الذي كان قادرا على ممارستها.

إلى أن غادرنا.

وتوقفت معه.

**

**

يا لثراء أخي جمال.

وكلما كان يحصل على منحته الجامعية.

وهي قليلة.

ولا شيء.

كان يعود إلى البيت ومعه بنطلون قطيفة جديد لي.

ومعه قصة.

ومعه كتاب لي.

وكان البنطلون قصيرا دائما.

كان دائما يخطىء مقاسي.

وكان يعود ومعه شريط أغان ملتزمة.

و أتذكر ذلك كأنه اليوم.

وأتذكر يوم توصلت بمبلغ مالي من مجلة خليجية.

وقال لي تعال نذهب بذلك المبلغ إلى المدينة.

تعال نسهر به.

فأخذناه.

ومعي كل أصدقائي.

قبل أن يعيده إلي أضعافا مضاعفة.

ولكل صديق من أصدقائي معه قصة.

وكان يعتني بنا.

كان يأخذنا معه دائما.

ويحرسنا.

ويحدب علينا.

كان يعلمنا كل الفنون.

وكل المغامرات.

وينفق علينا من ذلك المبلغ الذي توصلت به من تلك المجلة الخليجية.

وكان رصيدي لا ينتهي.

كان منحتي التي أتوصل بها كل يوم.

ومعي أصدقائي.

**

**

قال لي الصديق والزميل مراد ثابت لما رأى أخا لي في الجنازة:

كأنه جمال زيد.

بل كان شبه متأكد أنه هو.

ويا ل”كأنه” هذه.

ويا لموقف “كأنه” في حياة جمال.

وكأنه موت.

وكأنها حياة.

وكأنه سيبقى حيا بيننا دائما.

وقد كان من “كأنه” هذه يصنع كل شيء.

كان يصنع منها كل الحياة.

وكل الضحك.

وكان يصنع منها الجنة.

هنا.

والآن.

وكان معه دائما كتيب التوهم للحارث المحاسبي.

وهو الذي دلني عليه.

وكان يعيش في البرزخ.

وكل الذين عرفوه صاروا يلهجون بهذه الكلمة.

ويؤمنون بها.

وكأنه لم يمت.

وكأنه حي.

وكأنه كان يتوهم حياة أخرى.

وكأنه كان يعيش فيها.

وبعد أن شبع منا.

رحل عن حياتنا.

هذه. حياتنا.

الرتيبة.

والعادية.

والتي كأنها حياة.

ليدخل إلى حياته الثانية.

**

**

احْكِي يا غرفته.

احكي لنا عن جمال زيد.

ولو كانت تتكلم. لروت لنا قصصا لا تنتهي.

وكان في غرفته دائما دخان كثيف.

كان فيها دائما رفاق.

وشعراء.

وليل طويل.

كانت فيها جلسات “سرية”.

وثورات في غرفة مغلقة.

وبيانات.

وتأسيس للجان.

كان فيها مستقبل فصيل سياسي يساري معروف.

وكانت غرفة مشهورة.

وكان لها صيت.

وكان الواحد يفتح باب البيت في عين السبع ويذهب رأسا إليها.

كانت مقرا “سريا”.

وكان فيها كل الكتب.

وكانت فيها مسجلة.

وأشرطة كثيرة.

وغناء لا يتوقف.

كانت أجمل غرفة في منزلنا.

كان فيها سحر.

كان الواحد يدخل إليها ويحمل كتابا ويخرج.

وكلما خرج منها جمال

كنت أسكن في غرفة عجائبه قبل أن يعود إليها.

**

**

كان جمال أستاذا كبيرا.

كان مكانه الطبيعي في الجامعة مع طلبته.

كان باحثا.

كان مفكرا.

كان ناقدا.

كان متميزا في مجالات اشتغاله.

كان ذكيا. ونبيها.

كان مبدعا.

ومن الظلم اختزاله في مهنته التي مارسها.

ومن الظلم اعتباره مجرد صحافي.

ومجرد زميل لنا.

ومجرد أخ لي.

لقد كان أستاذي.

ومعلمي.

وأستاذ.

ومعلم.

كثير من أصدقائه.

وزملائه.

كان أستاذا لم يسمح له وضع المغرب الصعب والمعقد والفاسد

بأن يحقق أحلامه

ويمارس مهنته الحقيقية.

وشغفه الحقيقي.

**

**

ليس هذا فحسب.

وليس ما كان يميزه هو تكوينه الأكاديمي.

والسياسي.

فقط.

وحين كنت أتبعه.

وأنا صغير.

إلى المارشي.

وإلى الشاطىء.

فقد كانت له حياة أخرى.

حياة كأنها من خيال.

وكلها مغامرات.

وكان له خروف يرعى في جردة بوكرش.

و يشعل جمال سيجارة له. وواحدة لخروفه.

وكنت أتبعهما.

والكل كان يعرف خروفنا.

وكلبتنا مايا.

كل أولاد المارشي.

وكانوا هم من يعود به أحيانا إلى البيت.

وبمايا.

وكانت له في البيت أسماك كثيرة يأتي بها من الشابو.

في أكواريوم موضوع على إفريز نافذة غرفته الشهيرة.

وكانت هذه هي حيوانته.

التي بفضله.

وبفضلها.

عشت طفولة رائعة.

وكلها مغامرات.

وكلها عجائب.

**

**

كان أكبر.

وكان أكثر من أخ.

كان صديقا.

ولم يقدم لي جمال يوما نصيحة.

ولم يلمني.

ولم يوجهني.

ولم ينهني. ولم يرسم لي طريقا.

ولذلك ظللت أتبعه دائما.

وأسير في طريقه.

لأنها كانت طريقا خالية من النصائح

ومن أي توجيه.

كانت طريق حرية.

**

**

كان أصدقاؤه أصدقائي.

وكان أقربهم إلي محمد حسنين.

وكان بمثابة أخ لي.

وبمثابة أب.

وصديق.

وأتذكر أنه جاء لجمال بآلة كاتبة.

وهي التي رقنت فيها بحثه الجامعي.

كل بحثه.

وفيه تعرفت على أخي أكثر.

ويالها من متعة.

وياله من لعب.

ويالها من معرفة.

وأنا أرقن كل كلمة كان يكتبها بضغطة كبيرة من إصبعه.

وكأنه كان ينقش على الورق.

كان يضغط على القلم. وعلى الورق. وعلى نفسه.

كان غير متساهل معها.

وكأنه يحفر.

وكأنه يخاف أن تمحي كلماته. وحروفه.

كان يضغط عليها كما لم يضغط أحد على كلمة وعلى حرف.

ولذلك ظلت كل كلماته

محفورة في قلبي. وفي حياتي. وفي ذاكرتي.

**

**

جمال

كأنك

حي.

**

**

جمال

ألسنا الآن في البرزخ

قل

لنا يا جمال

بلغتك

أ هذه حياة

أم موت

أم هما معا.

حياة موت. وموت حياة.

قل لنا مَن الميت

ومن الحي

قل

قل لنا يا جمال

فأنا أسمعك الآن

كما كنت أسمعك دائما

واضحا

مبينا.

وكل أحبابك

كل أصدقائك

كل أسرتك

كلنا نسمعك يا جمال.

يا أكثر من شقيق.

ويا أكثر من صاحب. ومن صديق.

كود المصدر: كود
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا