لم تعد الطريق الوطنية رقم 9، التي تخترق مركز جماعة وقيادة تاكونيت بإقليم زاكورة، مجرد محور يربط جنوب شرق المملكة بالمناطق الصحراوية، بل تحولت، في نظر الساكنة ومستعمليها، إلى عنوان يومي للمعاناة، حتى باتت تعرف محليا بـ”طريق الموت”، بعد أكثر من 10 سنوات من الأشغال المتعثرة والإصلاحات التي لم تر النور.
هذه الطريق، التي تشكل البوابة الرئيسية نحو امحاميد الغزلان، إحدى أبرز الوجهات السياحية الصحراوية بالمغرب، أصبحت اليوم مليئة بالحفر والتشققات والمطبات، في مشهد يختزل حجم الإهمال الذي طال أحد أهم المحاور الطرقية بالمنطقة، ويضاعف معاناة الساكنة والسائقين والزوار على حد سواء.
وأنت في طريقك نحو الصحراء، حيث الكثبان الرملية والواحات والجمال التي يقصدها السياح من مختلف أنحاء العالم، تصطدم بمجرد دخولك مركز جماعة تاكونيت بصورة مغايرة تماما، بنايات ما تزال تحمل آثار فيضانات سنة 2024، ومظاهر خراب لم تُرفع بعد، وطريق مهترئة لا توحي بأنك تعبر إحدى أهم البوابات المؤدية إلى الجنوب الشرقي للمملكة.
وأظهرت المعاينة الميدانية التي أنجزتها جريدة “العمق المغربي” تدهورا واضحا في حالة الشارع الرئيسي، حيث تنتشر الحفر العميقة على امتداده، فيما يغطي الغبار الكثيف المنطقة. ويجد السائقون أنفسهم مجبرين على المناورة باستمرار لتفادي هذه الحفر، في واقع دفع عددا من السكان إلى التعليق بسخرية: “قانون السير الجديد في تاكونيت هو: يمينك حيث لا توجد حفرة”.
وتعود بداية هذه الأزمة إلى سنة 2017، مع انطلاق مشروع التطهير السائل، حيث تم حفر الطريق الرئيسية في إطار الأشغال، غير أن المشروع دخل في مسلسل طويل من التأجيل، لتبقى الطريق في وضعية مؤقتة تحولت إلى واقع دائم، دون إعلان رسمي عن موعد انتهاء الأشغال أو إعادة تهيئة المقطع الطرقي.
أكثر من عشر سنوات مرت، بينما لا تزال الساكنة تتنقل بين الوعود والانتظار، في غياب أي تفسير واضح من الجهات المعنية حول أسباب هذا التأخير أو الآجال الحقيقية لإنهاء المشروع.
ولا تقف آثار هذه الوضعية عند حدود صعوبة التنقل، بل تمتد إلى خسائر مادية متواصلة يتكبدها أصحاب السيارات والشاحنات والدراجات النارية وفق تعبيرهم، نتيجة الأعطاب المتكررة التي تتسبب فيها الحفر والمطبات، فضلا عن تسجيل حوادث سير متفرقة تتكرر باستمرار في الشارع الرئيسي.
وأضافت الساكنة أن الطريق أصبح مصدر غبار كثيف يغزو المنازل والمحلات التجارية، ويؤثر على السلع، خاصة المواد الغذائية، فضلا عن انعكاساته الصحية على الساكنة، خصوصا الأطفال وكبار السن.
وقال عبد الغني بلوناس، فاعل جمعوي وناشط حقوقي، في تصريح لجريدة “العمق المغربي”، إن المقطع الطرقي الواقع داخل النفوذ الترابي لجماعة وقيادة تاكونيت يعيش وضعية “كارثية”، مشيرا إلى أن تأثيراته لا تقتصر على أعطاب المركبات، بل تمتد إلى السلامة الطرقية والبيئة والاقتصاد المحلي.
وأوضح أن العديد من المخالفات التي يتعرض لها مستعملو الطريق ترتبط بتلف أضواء المركبات وإشاراتها، نتيجة الاهتزازات المستمرة التي تفرضها الحفر والمطبات، مضيفا أن الغبار المتطاير أصبح يشكل معاناة يومية للسكان ولأصحاب المحلات التجارية.
وأكد المتحدث أن هذه الطريق تمثل الواجهة الرئيسية المؤدية إلى محاميد الغزلان، التي تستقبل سياحا من مختلف دول العالم، معتبرا أن استمرار هذا الوضع يسيء إلى صورة المنطقة وصورة المغرب كوجهة سياحية، خاصة في ظل الاستعدادات الوطنية لاستضافة تظاهرات دولية كبرى، وفي مقدمتها كأس العالم 2030.
وأضاف أن الأشغال انطلقت منذ سنوات، لكن الساكنة لا تعرف إلى اليوم تاريخا لنهايتها، قائلا إن المواطنين يعيشون على وقع وعود تتكرر مع كل مناسبة، دون أن تتحول إلى إنجازات ملموسة.
ومن جانبه، أكد عبد الرحمن الشافعي، أحد أبناء جماعة تاكونيت، أن الشارع الرئيسي لم يعد صالحا للاستعمال، بعدما تحول إلى سلسلة متواصلة من الحفر والمطبات، موضحا أن الساكنة انتظرت لسنوات استكمال أشغال التطهير السائل على أمل إعادة تهيئة الطريق، غير أن ذلك لم يتحقق رغم انتهاء الجزء الأكبر من المشروع.
وأضاف أن هذه الطريق الوطنية تعرف حركة مرور كثيفة، باعتبارها المنفذ الرئيسي نحو محاميد الغزلان، ويستعملها المواطنون والسياح بشكل يومي، معتبرا أن استمرارها في هذا الوضع يسيء إلى صورة البلاد ويضر بالمجهودات المبذولة للنهوض بالسياحة الوطنية.
وأمام استمرار هذا الوضع، تجدد الساكنة والفعاليات المدنية دعوتها إلى تدخل عاجل من وزارة التجهيز والماء، وعمالة إقليم زاكورة، والمجلس الإقليمي، وجماعة تاكونيت، من أجل الإسراع بإصلاح هذا المقطع الطرقي، وإنهاء معاناة امتدت لأكثر من عقد.
ودعت إلى فتح تحقيق في أسباب تعثر المشروع وتأخر إنجازه، مع تحديد المسؤوليات والإعلان عن جدول زمني دقيق لاستكمال الأشغال، حتى لا تظل الطريق الوطنية رقم 9 أسيرة الوعود والتأجيل، مشددة على أنه بينما يستعد المغرب لاستقبال ملايين السياح والزوار وتعزيز حضوره كوجهة عالمية، لا يعقل أن تظل إحدى أهم بوابات الصحراء تستقبلهم بطريق مهترئة، وحفر ممتدة، وبنية تحتية لا تعكس الأوراش التنموية الكبرى التي تشهدها المملكة.
المصدر:
العمق