أكد نزار بركة، الأمين العام لحزب الاستقلال، خلال ندوة مساء الثلاثاء بالرباط، أن معالجة ظاهرة الفساد لا يمكن أن تكون هدفا معزولا بذاته، بل ينبغي أن تندرج ضمن مشروع أشمل لنشر ثقافة النزاهة وربط المسؤولية بالمحاسبة وترسيخ الثقة في مؤسسات الدولة، مشيرا إلى أن حزبه سيجعل من محاربة الفساد وتضارب المصالح أحد الالتزامات الخمسة الأساسية التي سيتقدم بها للمواطنين في أفق الاستحقاقات الانتخابية المقبلة.
وفصّل الأمين العام لحزب الاستقلال في الالتزامات الخمسة التي يعتزم حزبه الدفاع عنها، فأشار إلى أن الالتزام الأول يتعلق بحماية سيادة البلاد ومؤسساتها في ظل التهديدات والأفكار الدخيلة التي يواجهها المغرب اليوم، بما يستلزم تقوية القدرات الوطنية للحفاظ على الهوية المغربية حاضرة بقوة في المرحلة المقبلة.
أما الالتزام الثاني فيرتبط بحماية القدرة الشرائية للمواطنين ومحاربة الريع، عبر حماية الفئات المتقاعدة والفئات النشيطة على حد سواء، ووضع حد للمضاربة والاحتكار والربح غير المشروع.
وشدد على أن الالتزام الثالث يتمثل في رفض أي تراجع عن المرفق العمومي، معتبرا أن التعليم والصحة لا يمكن أن يُترك أمرهما للقطاع الخاص وحده، الذي يبقى دوره تكميليا لا أساسيا، وأن أساس أي عمل عمومي ناجح هو مرفق عمومي قوي تجب مواصلة تحسين جودته وتطويره وعصرنته حتى يظل قادرا على أداء دوره في توفير وسائل الارتقاء الاجتماعي للمواطنين.
وبخصوص الالتزام الرابع، أوضح بركة أنه يتعلق بتعزيز السيادة الوطنية في مفهومها الشمولي، أي الاستقلالية الاستراتيجية للبلاد، من خلال تقوية السيادة الغذائية والسيادة المائية والسيادة الطاقية والسيادة الصناعية والسيادة الصحية والسيادة التكنولوجية والرقمية، معتبرا أن المغرب حقق في هذا المجال تقدما مهما ويملك اليوم القدرة على أن يصبح قوة صاعدة تسهم في تقليص الفوارق المجالية والاجتماعية.
أما الالتزام الخامس والأخير، والذي ربطه مباشرة بموضوع الندوة، فيتعلق بما وصفه بـ”عدم التسامح مطلقا مع الفساد وتضارب المصالح”، معتبرا أن بناء اقتصاد قائم على النزاهة والمنافسة الشريفة وتكافؤ الفرص وفق منطق الاستحقاق بات ضرورة ملحة، وأن هذا المنطق يجب أن يسود ويطبق على الجميع دون استثناء.
وانتقل بركة إلى صلب موضوع الندوة، مستحضرا التوجيهات الملكية في هذا المجال، معتبرا أن المغرب بقيادة الملك محمد السادس اختار الحكامة الجيدة وسيادة القانون وربط المسؤولية بالمحاسبة كخيارات استراتيجية لبناء الدولة الحديثة وتقوية مؤسساتها، وأن الدستور كان واضحا في هذا الشأن.
وأكد أن الدستور أرسى في هذا الإطار أربعة مبادئ أساسية يقوم عليها هذا البناء، هي ربط المسؤولية بالمحاسبة، واستقلالية مؤسسات الحكامة، والحق في الحصول على المعلومة، وترسيخ مبادئ الشفافية والمنافسة الشريفة.
وذكّر بأن هذه المبادئ الدستورية تُرجمت إلى ترسانة من التشريعات التي تمت المصادقة عليها، وإلى مصادقة المغرب على عدد من الاتفاقيات الدولية ذات الصلة، كما تُرجمت إلى إحداث عدد من الهيئات الأساسية، من أبرزها الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربة الفساد، ومجلس المنافسة، اللذان مُنحا صلاحيات واسعة في مجال اختصاصهما.
غير أن بركة لم يتردد في الإقرار بوجود اختلالات لا تزال قائمة رغم كل هذه المجهودات، مشيرا بشكل خاص إلى القانون الجديد للصفقات العمومية الذي أثار، حسب قوله، عددا من التساؤلات في مجال النزاهة والشفافية.
وتحدث في هذا السياق عن منصة إلكترونية للصفقات العمومية أحدثتها الدولة لتمكين المقاولات من التعاقد إلكترونيا والحد من الاحتكاك المباشر الذي قد يفتح الباب أمام ممارسات غير سليمة، مقرا في الوقت نفسه بأن هذه المنصة أثارت عددا من المشاكل بالنسبة لبعض المقاولين.
وأضاف أن الدولة وضعت أيضا منصة لتتبع كبريات المشاريع، من طرق وموانئ ومشاريع مائية، تتيح للمواطنين متابعة سير الأشغال ومراقبتها، معتبرا أن هذه الشفافية ضرورية لتقوية آليات المحاسبة وتحسين الأداء العمومي.
ورغم هذه المجهودات، اعترف بركة بأن مؤشر مدركات الفساد الدولي ظل مستقرا في مستويات مقلقة خلال السنوات الأخيرة، وأن ترتيب المغرب على الصعيد العالمي لا يعكس حجم الإصلاحات التي باشرتها البلاد.
واستشهد بدراسة أنجزتها الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربة الفساد، أظهرت أن نحو تسعين في المائة من المواطنين يعتبرون أن الفساد منتشر أو منتشر جدا في المغرب، وأن نسبة مهمة منهم تقر بأنها اضطرت في حالات معينة إلى دفع رشى للحصول على خدمات كانت من حقها أصلا.
وأشار إلى أن نسبة تطبيق المقتضيات القانونية المتعلقة بتضارب المصالح لا تتجاوز في الواقع ثلاثين في المائة، في حين أن معدل تفعيل الحق في الحصول على المعلومة لا يتعدى ما بين أربعين وخمسين في المائة، مسجلا كذلك بطء تنفيذ توصيات المجلس الأعلى للحسابات، التي لا يُنفذ منها فعليا سوى نسبة محدودة، وهو ما يعكس، حسب تعبيره، وجود فجوة حقيقية بين النصوص القانونية وتطبيقها الفعلي على أرض الواقع.
وخلص الأمين العام لحزب الاستقلال إلى أن محاربة الفساد لا يمكن أن تنجح إذا بقيت مقاربة قطاعية معزولة، بل يجب أن تندرج ضمن مشروع مجتمعي أوسع يقوم على نشر ثقافة النزاهة وثقافة ربط المسؤولية بالمحاسبة وثقافة الثقة، باعتبارها ركائز أساسية لمستقبل البلاد.
وشدد في هذا الصدد على ضرورة وقف ما وصفه بـ”تضخم القوانين”، داعيا إلى التركيز بدل ذلك على التطبيق الفعلي والصارم للنصوص القانونية القائمة، معتبرا أن المغرب لا يعاني من نقص في الترسانة القانونية بقدر ما يعاني من ضعف في التفعيل والمتابعة، وهو ما يستدعي، في نظره، إرادة سياسية قوية ومتابعة يومية دقيقة لضمان أن تترجم النصوص إلى نتائج ملموسة تنعكس على حياة المواطنين وعلى موقع المغرب في المؤشرات الدولية لمكافحة الفساد.
المصدر:
لكم