عمر المزين – كود///
أكدت الدكتورة شفيقة غزوي، مسؤولة صحة الطفل بالمديرية الجهوية للصحة والحماية الاجتماعية بجهة فاس-مكناس، أن تغذية الطفل تعد من أهم الركائز التي تنبني عليها صحة أجيال الغد.
وأوضحت غزوي، في تصريحات لـ”كود”، أن التغيير الذي طرأ على نمط العيش وتطور التكنولوجيا كان له تأثير كبير على الممارسات التغذوية لدى الساكنة عموما، ولدى الأطفال بصفة خاصة.
كما أشارت إلى أن التحول الجذري الذي شهده العالم جعل النظام الغذائي يعتمد بشكل كبير على السرعة والشكل الخارجي والتصنيع، وهو ما ترتبت عنه آثار سلبية جعلت الطفل وذويه أمام معادلة معقدة وشائكة.
وأضافت أن تغذية الطفل في العقود الماضية، خلال جيل الأجداد والآباء، كانت تنطلق من فكرة البساطة والاعتماد الكلي على ما تجود به البيئة المحيطة، حيث لم تكن هناك خيارات معقدة، بل كان الغذاء مصدر النمو الطبيعي.
وأشارت إلى أن الرضاعة الطبيعية كانت تمثل الخيار الوحيد والأصل المطلق لتغذية الرضيع خلال الأشهر الستة الأولى، قبل الانتقال إلى التنويع الغذائي المعتمد على مأكولات مطبوخة داخل المنزل، وهو ما كان يوفر للطفل مناعة قوية ونموا جسمانيا وفكريا سليما، إلى جانب تعزيز الارتباط العاطفي بين الأم وطفلها.
وأضافت أن الغذاء التكميلي كان يعتمد على ما يقدم من مائدة الأسرة، مع حرص الأم على إعداد وجبات تتلاءم مع سن الطفل ونموه، باستعمال مواد غذائية طبيعية، دون اللجوء إلى الحليب الاصطناعي أو زجاجة الإرضاع، وما يرتبط بهما من مشاكل على مستوى الجهاز الهضمي، والتلوث البكتيري، واحتمال الإصابة بالسمنة والسكري، فضلا عن خطر الحساسية مستقبلا.
وأبرزت أنه، رغم الحملات التوعوية المتواصلة بأهمية الرضاعة الطبيعية، فإن نمط الحياة الحديث وخروج المرأة إلى العمل ساهما في الاعتماد الواسع على الحليب الاصطناعي، الذي يفتقر إلى الأجسام المضادة الحية التي يوفرها حليب الأم.
وأكدت غزوي أنه بعد انتهاء فترة الرضاعة، التي كانت تمتد في كثير من الأحيان إلى العامين، كان غذاء الطفل يعتمد على مواد طبيعية ومحلية وطازجة ومطبوخة داخل المنزل، بالتزامن مع نشاط بدني مرتفع وألعاب حركية في الأزقة والحقول، مما ساعد على بناء أجسام قوية بعيدا عن الزيادة المفرطة في الوزن أو السمنة المرضية.
وأضافت أن الواقع اليوم اختلف مع انتشار الوجبات السريعة المصنعة، التي أصبحت مغرية للأطفال والآباء على حد سواء، إلى جانب الخمول الرقمي الناتج عن الجلوس الطويل أمام الهواتف والأجهزة اللوحية وشاشات التلفاز، وهو ما أدى إلى انخفاض معدل حرق السعرات الحرارية وتراكم الدهون في سن مبكرة.
وأشارت إلى أن هذه الفجوة بين الأمس واليوم أفرزت واقعا صحيا يتمثل في ما وصفته بـ”أزمة الجوع الخفي”، حيث قد يعاني الطفل من زيادة في الوزن، وفي الوقت نفسه من نقص حاد في الحديد والفيتامينات نتيجة الاعتماد على أغذية تفتقر إلى القيمة الغذائية، إلى جانب ظهور أمراض مزمنة في سن مبكرة، من بينها السكري وارتفاع ضغط الدم.
ودعت مسؤولة صحة الطفل إلى التقليل من الوجبات السريعة الجاهزة، بما يتيح للأطفال فرصة تناول الأطعمة المحضرة داخل المنزل، مع تحديد وقت استعمال الشاشات وتشجيع الأنشطة الحركية لضمان حرق السعرات الحرارية الزائدة وتنشيط الدورة الدموية.
كما شددت على أهمية التركيز على الرضاعة الطبيعية، من خلال تقديم الدعم للأمهات الحديثات لإنجاح تجربة الرضاعة الطبيعية المطلقة خلال الأشهر الستة الأولى على الأقل.
وختمت الدكتورة شفيقة غزوي، في تصريحاتها لـ”كود”، بالتأكيد على أن طفل الأمس كان يأكل ليتحرك ويعيش، بينما يواجه طفل اليوم تحدي الأكل للترفيه والمتعة في بيئة ساكنة، معتبرة أن حماية أجيال المستقبل تتطلب إعادة صياغة علاقة الأطفال بالغذاء، وجعل الغذاء المتوازن وسيلة لبناء الأجسام والعقول، لا سببا في هدمها.
المصدر:
كود