آخر الأخبار

بنك المغرب ينتقد تأخر المخزون الاستراتيجي المائي والغذائي ويحذر من وهم “سنة ممطرة”

شارك

وجّه بنك المغرب انتقادا واضحا إلى تأخر إخراج منظومة وطنية متكاملة للمخزون الاستراتيجي للمواد الأساسية، بعدما مرت نحو خمس سنوات على الدعوة الملكية إلى إحداثها، في وقت ما يزال فيه الأمن المائي والغذائي للمغرب عرضة لتقلب المناخ واضطرابات الأسواق وسلاسل الإمداد الدولية.

وأفاد البنك، في تقريره السنوي لسنة 2025، بأنه أصبح من الضروري تسريع وضع سياسة شمولية للمخزون الاستراتيجي، تسمح للمغرب بالانتقال من تدبير الأزمات بعد وقوعها إلى الاستعداد المسبق لها.

وبصيغة تحمل نقدا لوتيرة تنفيذ السياسات العمومية، سجل التقرير أنه “بعد مرور نحو خمس سنوات” على الدعوة إلى إحداث منظومة وطنية متكاملة للمخزون الاستراتيجي، ما يزال الانتقال إلى سياسة وقائية في حاجة إلى التسريع.

ولا تعني هذه الملاحظة غياب التدابير القطاعية المتعلقة بتخزين بعض المواد أو تأمين التزود بها، لكنها تشير إلى أن هذه الإجراءات لم تتحول بعد إلى منظومة وطنية شمولية ومندمجة تشمل مختلف المواد الحيوية وتحدد كيفية التدخل قبل الأزمات.

خمس سنوات دون سياسة مكتملة

تعود الدعوة إلى إحداث مخزون استراتيجي وطني إلى الدروس التي كشفتها جائحة كورونا بشأن هشاشة سلاسل التوريد الدولية، وصعوبة ضمان وصول بعض المواد الأساسية في فترات إغلاق الحدود واحتدام المنافسة بين الدول.

ومنذ ذلك الحين، توالت الصدمات الدولية، من ارتفاع أسعار الغذاء والطاقة إلى الحروب والتوترات التجارية والسياسات الحمائية، وأظهرت أن الاعتماد على السوق الخارجية وحدها لا يضمن استمرار التزود بالمواد الحيوية وبأسعار مستقرة.

ورغم هذه التحولات، يخلص تقرير بنك المغرب إلى أن المغرب ما يزال في حاجة إلى تسريع بناء سياسة متكاملة، بدل الاكتفاء بتدخلات ظرفية كلما ارتفعت الأسعار أو تراجعت الإمدادات.

ويفترض الانتقال إلى منظومة متكاملة تحديد قائمة المواد الاستراتيجية، والحاجيات الدنيا التي ينبغي تخزينها، ومدة كفاية الاحتياطيات، والجهات المسؤولة عن تدبيرها ومراقبتها وتجديدها، إضافة إلى كيفية تمويلها وتفعيلها في حالات الطوارئ.

ووضع بنك المغرب ملف الماء في مقدمة التحديات المرتبطة بالسيادة والاستدامة، محذرا من أن الظروف المناخية المواتية المسجلة خلال 2025 لا ينبغي أن تحجب الطبيعة البنيوية للإجهاد المائي في المملكة.

واعتبر التقرير أن تحسن التساقطات يوفر فرصة يجب استغلالها لتسريع الأوراش الكبرى الموجهة إلى التخفيف من ندرة المياه، عوض التعامل مع الموسم المطير باعتباره نهاية للأزمة.

ويعني هذا التحذير أن امتلاء بعض السدود أو تحسن التساقطات خلال فترة محدودة لا يكفي لتغيير واقع تشكل على مدى سنوات من الجفاف وتراجع الموارد المائية وارتفاع الطلب المنزلي والفلاحي والصناعي.

ودعا البنك إلى وضع حكامة الموارد المائية ضمن أولويات السياسة العمومية، خصوصا ما يتعلق بتثمين الماء من خلال تسعيرة وصفها بالعادلة والمقبولة اجتماعيا.

وتطرح هذه الدعوة معادلة دقيقة بين الحد من الاستعمال المفرط للمياه وضمان الحق في الولوج إليها، بحيث لا تتحول التسعيرة إلى عبء على الأسر محدودة الدخل، ولا يستمر في المقابل استعمال المورد النادر دون مراعاة كلفته الحقيقية.

محصول يتحسن.. والهشاشة مستمرة

استفاد الموسم الفلاحي 2024-2025 من الأمطار المتأخرة المسجلة بين فبراير وأبريل 2025، ما ساهم في ارتفاع القيمة المضافة للقطاع الفلاحي بنسبة 8.2%، بعد تراجعها بـ5.7% خلال 2024.

كما ارتفع محصول الحبوب الرئيسية من 31 مليون قنطار إلى 43.1 مليونا، بفضل تحسن المردودية من 12.6 إلى 16.5 قنطارا في الهكتار.

لكن هذا التحسن يخفي استمرار هشاشة القاعدة الإنتاجية؛ إذ لم تتجاوز المساحة المزروعة بالقمح الطري والصلب والشعير 2.6 مليون هكتار، مقابل متوسط بلغ 4.9 ملايين هكتار بين 2001 و2018، قبل موجة الجفاف الأخيرة.

ويعني ذلك أن المساحة الحالية لا تمثل سوى ما يزيد قليلا على نصف المتوسط المسجل قبل سنوات الجفاف، ما يجعل الإنتاج الوطني شديد الارتباط بتوقيت الأمطار وكمياتها.

وسجل إنتاج الخضراوات ارتفاعا بنسبة 7.2%، والزراعات العلفية بـ36.7%، والزراعات السكرية بـ50.6%. في المقابل، تراجع إنتاج الزيتون بنسبة 7.2% والحوامض بـ7.8%.

كما واصل قطيع الأبقار التأثر بتوالي سنوات الجفاف، متراجعا بنسبة 11.4% إلى 2.1 مليون رأس، رغم تحسن أعداد الأغنام والماعز في إطار برنامج إعادة تكوين القطيع.

وتظهر هذه الأرقام أن سنة فلاحية أفضل لا تعني تجاوز مخاطر الأمن الغذائي، خصوصا عندما يظل الإنتاج مرتبطا بالأمطار وتتراجع المساحات المزروعة وبعض مكونات الثروة الحيوانية.

الإجهاد المائي يصل إلى أسعار الغذاء

لم يبق أثر ندرة المياه محصورا في الإنتاج الفلاحي، بل انتقل إلى أسعار الاستهلاك. فقد ارتفعت أسعار المواد الغذائية المتقلبة بنسبة 3.1% خلال 2025، بعد انخفاضها بـ2.6% في السنة السابقة.

وربط بنك المغرب هذا الارتفاع بتضرر العرض نتيجة تفاقم الإجهاد المائي والظروف المناخية غير المواتية، فيما ارتفعت أسعار الخضراوات الطرية وحدها بنسبة 9.5%.

وتبرز هذه العلاقة أن السياسة المائية لم تعد ملفا بيئيا أو فلاحيا فقط، بل أصبحت مرتبطة مباشرة بالقدرة الشرائية والتضخم والميزانية العامة، خصوصا عندما تضطر الدولة إلى التدخل عبر الدعم أو تعليق الرسوم أو تسهيل الاستيراد لاحتواء الأسعار.

ومن هنا تأتي أهمية المخزون الاستراتيجي الغذائي، ليس باعتباره بديلا عن الإنتاج الوطني، بل آلية لتقليل أثر الصدمات المؤقتة وتجنب اللجوء المتأخر إلى السوق الدولية في فترات ارتفاع الأسعار أو اضطراب الإمدادات.

ويرى بنك المغرب أن المطلوب هو الانتقال من “مقاربة علاجية” إلى أخرى وقائية. والمقاربة العلاجية تعني انتظار ظهور النقص أو ارتفاع الأسعار قبل اتخاذ تدابير للاستيراد أو الدعم أو تعليق الرسوم.

أما المقاربة الوقائية فتقوم على مراقبة الحاجيات والمخاطر بصورة مسبقة، وتكوين احتياطيات كافية، وتنويع مصادر الاستيراد، وتعزيز الإنتاج المحلي، ووضع قواعد واضحة لاستعمال المخزون وتجديده.

وتحتاج هذه السياسة إلى تنسيق بين قطاعات الفلاحة والماء والطاقة والصناعة والتجارة والداخلية والمالية، حتى لا تظل كل مادة خاضعة لتدبير منفصل لا يأخذ في الاعتبار الترابط بين الأمن المائي والغذائي والطاقي.

فلا يمكن، على سبيل المثال، توسيع الإنتاج الفلاحي دون احتساب كلفته المائية، كما لا يمكن بناء مخزون غذائي مستدام من دون منشآت التخزين والنقل والمراقبة وتمويل عمليات تدوير الاحتياطيات.

كلفة الانتظار أكبر من كلفة الوقاية

تكشف ملاحظة بنك المغرب أن المشكلة لم تعد في تشخيص المخاطر، بعد خمس سنوات من الدعوة إلى منظومة وطنية متكاملة، بل في سرعة تحويل التوجيهات إلى سياسة قابلة للتنفيذ والقياس.

فتوالي الأزمات أثبت أن التدخل بعد وقوع الصدمة يكون غالبا أكثر كلفة، سواء عبر تحمل ارتفاع أسعار الاستيراد أو تخصيص دعم إضافي أو مواجهة نقص بعض المواد في السوق.

وفي المقابل، تتطلب الوقاية موارد مالية وتنسيقا مؤسساتيا، لكنها تمنح الدولة قدرة أكبر على التدخل في الوقت المناسب وتحد من انتقال تقلبات السوق الدولية إلى أسعار الغذاء والطاقة داخليا.

وتتمثل الرسالة الأساسية للتقرير في أن تحسن أمطار موسم واحد لا يلغي الإجهاد المائي، كما أن توفر السلع في الظروف العادية لا يغني عن مخزون استراتيجي.

العمق المصدر: العمق
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا