آخر الأخبار

محاولات تشويه المغرب .. لماذا تتكرر الحملات عند الاحتفاء بالإنجازات؟

شارك

لم تعد الحملات الإعلامية التي تستهدف المغرب تثير الاستغراب بقدر ما أصبح يثيره توقيتها؛ فالمتابع لمسار هذه الحملات خلال العقد الأخير يلاحظ أنها تكاد تتحول إلى موعد موسمي يتكرر كلما اقترب المغرب من محطة وطنية كبرى أو حقق إنجازا دبلوماسيا أو اقتصاديا أو استراتيجيا يعزز مكانته الإقليمية والدولية.

ولعل ما شهدته الأيام الأخيرة من إعادة إحياء ملف “بيغاسوس” عبر بعض المنابر الفرنسية يعيد إلى الواجهة سؤالا جوهريا: لماذا يعود هذا الملف بالذات في كل مرة يحقق فيها المغرب اختراقا جديدا على المستوى الدولي؟ ولماذا يتم استدعاؤه في توقيت شديد الحساسية، بينما كانت العلاقات المغربية الفرنسية تشهد دينامية غير مسبوقة توجت بزيارة الوزير الأول الفرنسي إلى الرباط، مرفوقا بعشرة وزراء، للمشاركة في أشغال اللجنة العليا المشتركة، التي أفضت إلى توقيع حزمة مهمة من الاتفاقيات الاستراتيجية في مجالات الاستثمار والطاقة والنقل والصناعة والتعاون الأمني والثقافي؟

إن تزامن هذه الحملة مع هذا الحدث السياسي الكبير، وقبل أيام قليلة من الاحتفال بعيد العرش المجيد، لا يمكن أن يمر دون إثارة تساؤلات حول دلالات التوقيت؛ فالوقائع خلال السنوات الماضية تكشف أن استهداف صورة المغرب في الإعلام الدولي يتزامن غالبا مع لحظات النجاح الوطني أو مع محطات رمزية كبرى؛ وهو ما يجعل عنصر التوقيت جزءا من الرسالة الإعلامية نفسها.

لقد سبق للمغرب أن واجه حملات مشابهة في ملفات متعددة؛ من قضية “بيغاسوس”، إلى “قطر غيت”، مرورا بأوراق “باناما”، وبالمعارك القانونية والإعلامية حول الاتفاقيات الفلاحية واتفاقيات الصيد البحري مع الاتحاد الأوروبي، وصولا إلى الحملات التي استهدفت مسؤولين ومؤسسات سيادية مغربية تحت عناوين مختلفة. وعلى الرغم من اختلاف العناوين، فإن القواسم المشتركة بينها كانت دائما وحدة التوقيت، وتشابه الخطاب، واعتماد المنابر نفسها في كثير من الأحيان.

ولا يتعلق الأمر هنا بالتشكيك في حرية الصحافة أو في حق وسائل الإعلام في التحقيق والنقد، فذلك حق تكفله المبادئ الديمقراطية؛ لكن من المشروع أيضا التساؤل عندما تتحول بعض المنابر إلى منصات تعيد تدوير الملفات ذاتها، دون تقديم معطيات جديدة أو أحكام قضائية نهائية تغير من واقعها، ودون أن تمنح مساحة مماثلة للردود أو للوقائع التي قد تناقض الرواية المطروحة.

لقد خاض المغرب، خلال السنوات الأخيرة، معارك قانونية في عدد من الدول الأوروبية دفاعا عن مؤسساته ومسؤوليه. كما لجأ إلى القضاء في مواجهة بعض الاتهامات التي اعتبرها تمس سمعته ومصداقية مؤسساته. وقد أظهرت تلك المسارات أن القضاء، لا الحملات الإعلامية، هو الإطار الطبيعي لحسم مثل هذه النزاعات، وأن كثيرا من الادعاءات الإعلامية لا تصمد دائما أمام معايير الإثبات القضائي.

ولعل ما يزيد من أهمية قراءة هذه الظاهرة هو استحضار ما جاء في الخطاب الملكي السامي بمناسبة افتتاح الدورة التشريعية في 10 أكتوبر 2014، حين قال صاحب الجلالة الملك محمد السادس: “اللهم كثّر حسادنا، لأن كثرة الحساد تعني كثرة المنجزات والخيرات”؛ وهي عبارة لم تكن مجرد استعارة بلاغية، بل قراءة استباقية لطبيعة المرحلة التي سيدخلها المغرب، حيث سيصبح النجاح نفسه سببا في استهدافه.

وفي الخطاب ذاته، رسم جلالة الملك الحدود الفاصلة بين حرية التعبير والنقد المسؤول من جهة، وبين العدمية والتنكر للوطن من جهة أخرى، مؤكدا أن المغرب يحتاج إلى مجتمع مدني قوي يمارس دوره كقوة اقتراحية وسلطة مضادة، لا كأداة في حملات التشويه أو تصفية الحسابات.

كما أن قوله: “فنحن نعرف من نكون، ونعرف إلى أين نسير، كما نعرف مؤهلاتنا وما يواجهنا من صعوبات وتحديات” يظل من أكثر العبارات تعبيرا عن فلسفة الدولة المغربية في التعامل مع الأزمات. فالثقة في المسار لا تعني إنكار التحديات، لكنها تعني أيضا عدم الارتهان لحملات إعلامية عابرة مهما كان حجمها.

واليوم، ومع تعاظم مكانة المغرب في إفريقيا، وتزايد حضوره في ملفات الأمن والهجرة والطاقة والاستثمارات الدولية، ونجاحه في استقطاب مشاريع استراتيجية كبرى، أصبح من الطبيعي أن يدخل في دائرة التنافس الجيوسياسي والإعلامي؛ غير أن هذا التنافس ينبغي أن يظل محكوما بأخلاقيات المهنة واحترام قواعد التحقيق الصحافي، بعيدا عن الانتقائية أو توظيف التوقيت لخدمة أجندات سياسية.

إن الرد الحقيقي على هذه الحملات لا يكون بالشعارات، وإنما بمواصلة البناء، وتعزيز دولة المؤسسات، والاحتكام إلى القضاء، وتقديم الوقائع للرأي العام الوطني والدولي بلغة القانون والأرقام والوثائق؛ فالتجربة أثبتت أن ما يبقى في النهاية ليس ضجيج العناوين، وإنما قوة الدول في حماية مؤسساتها، وصلابة مجتمعها، وقدرتها على تحويل كل محاولة استهداف إلى فرصة لتعزيز وحدتها الداخلية.

ولهذا، فإن أخطر ما في هذه الحملات ليس مضمونها بقدر ما هو محاولتها التأثير في الصورة الذهنية للمغرب في لحظات الإنجاز؛ غير أن التاريخ القريب أثبت أن المملكة كانت، في كل مرة، تخرج من هذه المحطات أكثر قوة، وأكثر حضورا، وأكثر ثقة في مسارها، لأن الشرعية الحقيقية لا تصنعها المقالات، وإنما تصنعها الإنجازات على الأرض وثقة المواطنين واحترام الشركاء الدوليين.

هسبريس المصدر: هسبريس
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا