تتجه العلاقات المغربية الفرنسية نحو مرحلة جديدة توصف بأنها الأكثر تقدما منذ عقود، في ظل مؤشرات سياسية ودبلوماسية متسارعة توحي بقرب إبرام معاهدة ثنائية “غير مسبوقة”، وفق ما أكد ذلك سيباستيان لوكورنو. وهي الخطوة التي يُنظر إليها باعتبارها محطة مفصلية في مسار الشراكة بين الرباط وباريس.
ويأتي هذا التطور بعد التحول الذي شهدته مواقف فرنسا من قضية الصحراء المغربية، وما تبعه من تكثيف للزيارات الرسمية رفيعة المستوى، وإطلاق دينامية تعاون شملت مجالات سياسية واقتصادية وأمنية واستراتيجية متعددة.
وبينما يترقب البلدان استكمال التحضيرات لتوقيع هذه المعاهدة خلال زيارة دولة مرتقبة، تتباين القراءات بشأن أبعادها وانعكاساتها على مستقبل العلاقات الثنائية، سواء من زاوية تثبيت المواقف السياسية، أو تعزيز الشراكة الاقتصادية، أو إعادة رسم التوازنات الإقليمية.
معاهدة مرتقبة تعزز سيادة الصحراء
وفي هذا السياق، اعتبر الباحث والمحلل السياسي عبد الوهاب الكاين، في تصريح لجريدة “العمق”، أن الدبلوماسية المغربية والفرنسية تعيشان في الوقت الراهن لحظة استثنائية بكل المقاييس، حيث يُجمع المسؤولون في كل من الرباط وباريس على وصف هذه المرحلة بأنها الأعمق منذ عقود طويلة من التعاون المتصل والمشترك بين البلدين.
وأبرز الكاين أن هذا التطور اللافت يأتي ليتوج مسارا جديدا يهدف إلى تأسيس تعاقد استراتيجي غير مسبوق في تاريخ العلاقات الثنائية، موضحا أن المعادلة بين البلدين انقلبت كليا بعد مسار مضطرب طبع السنوات الثلاث الممتدة من سنة 2021 إلى سنة 2023.
وأوضح المتحدث ذاته أن هذا الانقلاب الإيجابي حدث حين حسم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون موقف بلاده النهائي من نزاع الصحراء المغربية، معترفا بشكل صريح بسيادة المملكة على أقاليمها الجنوبية في شهر يوليوز من سنة 2024، مضيفا أن هذا التحول الجوهري تمت ترجمته بعد أشهر قليلة من خلال زيارة رئاسية قام بها ماكرون إلى العاصمة الرباط، والتي أرست الدعائم الأساسية لما بات يُعرف اليوم بالشراكة الاستثنائية المعززة بين الدولتين.
وفي السياق ذاته، لفت المحلل السياسي إلى أن مسار التصعيد التعاوني هذا لم يتوقف عند ذلك الحد، إذ أضفت الزيارة التي قام بها رئيس الحكومة الفرنسية سيباستيان لوكورنو إلى الرباط، يومي 15 و16 يوليوز 2026، على رأس وفد حكومي ضخم ضم عشرة وزراء يمثلون قطاعات الاقتصاد والداخلية والدفاع والهجرة والتعليم والثقافة، بعدا مؤسساتيا جديدا وعمليا على هذا التقارب.
وقد تجلى هذا البعد – حسب المحلل السياسي، بوضوح في انعقاد الدورة العليا للجنة المشتركة للتعاون بين البلدين، وفي الإعلان الرسمي عن التحضير لصياغة معاهدة صداقة غير مسبوقة يُتداول إعلاميا وسياسيا تسميتها بـ”معاهدة القرن”، والتي يُنتظر أن يتم توقيعها خلال زيارة دولة مرتقبة سيقوم بها الملك محمد السادس إلى فرنسا، دون أن يُحسم بعد موعدها النهائي.
وسجل المصدر عينه أن وزيري خارجية البلدين، ناصر بوريطة وجان نويل بارو، كانا قد أعلنا خلال لقائهما بالرباط في شهر ماي 2026 عن التحضير لهذه الزيارة الملكية التي ستتوج بالمعاهدة، مسجلا أن الطرفين يعتبرانها المعاهدة الأولى من نوعها التي يبرمها المغرب مع دولة أوروبية، والأولى التي تبرمها باريس مع بلد من خارج الفضاء الأوروبي بهذا العمق الشامل والتنوع القطاعي.
كما سجل عبد الوهاب الكاين أن الدورة العليا للجنة المشتركة توجت بالتوقيع على أربعة عشر اتفاقا قطاعيا شملت مجالات الاقتصاد والأمن والهجرة والتكوين والطاقة والبنى التحتية.
واعتبر أن أبرزها هو مشروع الربط الكهربائي البحري الذي يندرج ضمن استراتيجية أوروبية أوسع لتنويع مصادر الطاقة، ومشيرا في هذا الصدد إلى تأكيد رئيس الحكومة عزيز أخنوش أن اللقاء شكل فرصة لتقييم ما أُنجز وتسريع تنفيذ الالتزامات، في حين شدد لوكورنو على أن العلاقات دخلت مرحلة جديدة عنوانها تعميق الشراكة الاستراتيجية.
معاهدة تتوج استثمارات فرنسية بالصحراء
وأكد المحلل السياسي رضوان جخا أن الزيارة التي قام بها رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان لوكورنو رفقة اثني عشر وزيرا فرنسيا إلى الرباط تحمل دلالات متعددة، أولها حرص باريس على تقديم إشارات واضحة المعالم تؤكد مضيها قدما في تنزيل بنود الشراكة الاستراتيجية الاستثنائية والوطيدة مع المملكة المغربية.
وأبرز جخا في تصريح لجريدة “العمق” أن هذا التوجه أكده كل من لوكورنو وجان نويل بارو، معتبرا أن هذه الزيارة بهذا الحجم الوزاري تشكل امتدادا للتحضيرات الجارية لزيارة الدولة التاريخية التي سيقوم بها الملك محمد السادس إلى باريس بعد خطاب افتتاح البرلمان المقبل، والتي ستتوج بتوقيع معاهدة غير مسبوقة.
وأوضح المتحدث ذاته أن فرنسا باتت تدرك اليوم أكثر من أي وقت مضى حجم الدينامية التي تميز الدبلوماسية المغربية بقيادة الملك محمد السادس، والتي خلقت واقعا جيوسياسيا جديدا يرسخ مبدأ أن مغرب اليوم ليس هو مغرب الأمس. وأشار إلى أن هذه الدبلوماسية تقوم على ثنائية الوضوح والطموح، وتجمع بين سياسة الحزم واليد الممدودة.
ولفت المتحدث ذاته، إلى أن المغرب ينطلق في بناء شراكاته الدولية من بارومتر الصحراء المغربية، باعتبارها النظارة التي تقيس بها المملكة صدق الشراكات ووضوح المواقف بعيدا عن الضبابية أو الازدواجية، وفق ما تجسد جليا في خطاب الذكرى التاسعة والستين لثورة الملك والشعب.
وفي هذا السياق، أشار المحلل السياسي إلى أن رئيس الوزراء الفرنسي أعاد التأكيد على الموقف السياسي لبلاده تجاه الصحراء المغربية، مشددا على أنه لم ولن يتغير، وأن فرنسا ستدافع عنه بكل وفاء وإخلاص.
واعتبر جخا أننا أمام فصل جديد ومميز، انطلق منذ يوليوز 2024 إثر رسالة الرئيس ماكرون التي أكدت أن حاضر ومستقبل الصحراء يندرج في إطار السيادة المغربية، وهو الموقف الذي تعزز خلال زيارته للمغرب في أكتوبر من نفس السنة وتوقيعه على مأسسة الشراكة عبر خطابه التاريخي بالبرلمان، لتصبح العلاقة مبنية على الثقة والوفاء بالالتزامات.
وسجل جخا إعجابه بذكاء ودهاء الدبلوماسية المغربية التي جعلت قوى تاريخية كبرى تحترم مواقفها، حيث دافعت المملكة بقوة وفرضت توازنها سواء مع ألمانيا عبر رسالة الرئيس شتاينماير سنة 2022، أو مع إسبانيا التي انتقلت من التوتر عقب أزمة استقبال “بن بطوش” إلى موقف تاريخي سنة 2024، ونفس الأمر مع بريطانيا، وصولا إلى الشراكة مع فرنسا. وأكد أن المغرب أثبت علو كعبه كبلد يساهم في رسم السياسات الدولية بفضل حنكة عاهل البلاد الذي وضعه في سكة القوى الإقليمية الصاعدة.
وبين المصدر عينه أن المعاهدة الفرنسية المغربية تُعد “غير مسبوقة” لاعتبارات عدة، أولها أنها تأتي في سياق انتقال باريس من الدعم التاريخي للحكم الذاتي إلى الاعتراف الرسمي بمغربية الصحراء. وسلط الضوء على توظيف فرنسا لوزنها كعضو دائم يتمتع بحق الفيتو للمساهمة محوريا في المصادقة على القرار الأممي رقم 27.97.
وأكد أن هذا المسار السياسي واكبته خطوات ميدانية تمثلت في زيارة وزيرة الثقافة الفرنسية السابقة للأقاليم الجنوبية، وزيارة سفير باريس بالرباط فيليب لاليو لمدينة العيون في فاتح يوليوز الجاري، إلى جانب التزام المدير العام للوكالة الفرنسية للتنمية ريمي ريو باستثمار حوالي 150 مليون يورو في الصحراء المغربية، ناهيك عن زيارات كبار المسؤولين ورجال الأعمال.
وخلص المحلل في حديثه إلى أن هذه المعاهدة ستتوج المسار المتميز بين القوتين الإقليميتين، وستسهم في تقوية المبادلات التجارية الثنائية التي بلغت سقف 15 مليار يورو.
وأوضح أنه لاستشفاف مدى عمق هذه المعاهدة، يكفي النظر لتفاعل المحيط الإقليمي وحجم القلق والغضب الذي ينتاب بعض دول الجوار، لافتا إلى أن هذه الدينامية تزامنت مع إطلاق حملات ممنهجة من طرف بعض المنابر الإعلامية الفرنسية لاستهداف المغرب، تعبيرا عن انزعاج أطراف إقليمية من هذا الفصل الجديد والأكثر ازدهارا من العلاقات.
مرحلة الاستثناء وقطع مع منطق الابتزاز
بدوره أوضح مدير مركز الصحراء وأفريقيا للدراسات الاستراتيجية، عبد الفتاح الفاتيحي، أن العلاقات المغربية الفرنسية بلغت مرحلة نضج غير مسبوقة من خلال التأسيس لتعاقد عبر اتفاقية وصفها بـ”الاستثنائية” في تاريخ العلاقات الدبلوماسية بين الدول، مشددا على أن البلدين قطعا أشواطا كبيرة في بناء علاقات تعاون قائمة على أسس “الندية والشراكة المتكافئة”، وهو ما جعل فرنسا تتوقف عن التعاطي مع المغرب من “منطق الابتزاز” عبر بوابة ملف الوحدة الترابية للمملكة.
وأشار الفاتيحي في تصريح أدلى به لجريدة “العمق”، إلى أن الاعتراف الفرنسي بمغربية الصحراء أضحى “واقعا وموقف دولة” راسخا، مبرزا أن باريس بنت على هذا الموقف مبدأ لعلاقاتها الدبلوماسية، ليس فقط مع المغرب، بل مع باقي دول العالم وداخل مختلف المنتديات الدولية. وأشار في هذا الإطار إلى أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عبر عن عزم بلاده “الترافع” للدفع باعتماد مبادرة الحكم الذاتي كحل سياسي واقعي وعملي للنزاع المفتعل حول الصحراء.
وذكر المحلل السياسي أن فرنسا “تحملت الابتزاز الجزائري” الرامي إلى دفعها لإعادة النظر في موقفها الداعم لسيادة المغرب على صحرائه، لافتا إلى أن الإصرار الفرنسي يعكس عمق التحول في رؤية باريس للمصالح المشتركة مع الرباط، وتجاوزها لضغوط الأطراف الأخرى التي حاولت التشويش على هذا التقارب التاريخي بين البلدين.
وختم المتحدث ذاته تصريحه بالتأكيد على أن الحضور الهائل والوازن للوفد الفرنسي المرافق للرئيس ماكرون يعزز مسار علاقات التعاون في مختلف المجالات، معتبرا أن ذلك يحمل دلالات سياسية قوية مفادها أن التعاون الفرنسي المغربي هو “خيار استراتيجي لا محيد عنه”. وأضاف أن هذه الشراكة تتسم بالشمولية لكونها تجمع بين ما هو اقتصادي وما هو سياسي ودبلوماسي، بما يؤدي إلى توحيد وجهات نظر البلدين تجاه مختلف القضايا الإقليمية والدولية.
المملكة بوابة باريس للحفاظ على عمقها الإفريقي
من جانبه، قال الخبير الاقتصادي محمد جدري، في تصريح لجريدة “العمق”، إن العلاقات التجارية والاقتصادية التي تجمع بين المملكة المغربية والجمهورية الفرنسية تكتسي طابعا تاريخيا متجذرا، مبرزا أن هذه الروابط، ورغم مرورها بمجموعة من الأزمات العابرة خلال بعض الفترات، تظل دائما علاقات ثابتة وقوية في جوهرها وعمقها الاستراتيجي.
وأوضح المتحدث ذاته أن باريس تحتفظ اليوم بمكانتها كالمستثمر الأجنبي الأول في المملكة المغربية، مشيرا إلى تواجد أكثر من ألف وثلاثمائة مقاولة فرنسية تنشط وتستثمر في السوق المغربية، فضلا عن الحضور الفعلي لجميع المقاولات الأربعين الكبرى المشكلة لمؤشر “كاك أربعين” الفرنسي، مما يعكس بشكل جلي حجم التغلغل الاقتصادي بين البلدين.
وأضاف المحلل الاقتصادي أن البلدين يدخلان حاليا في شراكة استراتيجية استثنائية مبنية على قاعدة “رابح رابح”، مبينا أن المغرب يحتاج بشكل كبير إلى رساميل المقاولات الفرنسية لدخول السوق الوطنية، وإلى خبراتها وتجاربها المتراكمة للمساهمة في تطوير قطاعات حيوية، من قبيل صناعة السيارات الكهربائية، وصناعة الطائرات، والطاقات المتجددة، إلى جانب مهن الترفيه المرتبطة بقطاع السياحة.
في المقابل، أشار جدري إلى أن المملكة المغربية تقدم امتيازات هامة وملموسة لفرنسا، حيث تصبح استثمارات هذه الأخيرة أكثر مردودية وربحية بفضل توفر الرأسمال البشري المغربي بتكلفة مالية أقل مقارنة بتكلفة الرأسمال البشري الفرنسي، وهو ما يعزز تنافسية الشركات الفرنسية ويمنحها قيمة مضافة حقيقية.
وتابع الخبير الاقتصادي تصريحه بالتأكيد على أن المغرب يشكل البوابة الاستراتيجية لإفريقيا، مما يمكن فرنسا من الحفاظ على عمقها الإفريقي عبر استثماراتها في المملكة، والتي تتجه نحو السوق الإفريقية المرشحة لتصبح السوق الاستهلاكية الأولى عالميا بحلول سنة 2050.
وخلص إلى أن هذه العلاقة الثنائية المتميزة لا يمكنها إلا أن تعود بالنفع المؤكد على كلا البلدين من خلال خلق الثروة، وتوليد القيمة المضافة، وتوفير مناصب الشغل بشكل أساسي.
المصدر:
العمق