هبة بريس-جرسيف
لم يعد العثور على عامل مؤهل ومستعد للاستمرار في العمل مهمة سهلة بالنسبة للعديد من أرباب المقاولات والحرفيين بإقليم جرسيف.
ففي الأشهر الأخيرة، برزت مؤشرات توحي بوجود أزمة حقيقية في اليد العاملة، امتدت آثارها إلى قطاعات مختلفة، من المخابز وورشات البناء إلى الفلاحة والمهن الحرفية والخدمات، وسط تساؤلات متزايدة حول الأسباب الكامنة وراء هذه الظاهرة وانعكاساتها على الاقتصاد المحلي.
يقول صاحب مخبزة بمدينة جرسيف، في تصريح لجريدتنا، إن الوضع تغير بشكل لافت مقارنة بالسنوات الماضية، موضحًا: “كان العامل يشتغل مقابل 120 درهمًا في اليوم، أما اليوم فأصبح يطلب 250 درهمًا، ومع ذلك لا نجد من يقبل بالعمل. وإن وجدنا عاملًا، فإنه يغادر بعد أيام أو أسابيع قليلة.”
ويضيف المتحدث أن بعض العمال يلتحقون بالعمل لفترات قصيرة قبل أن يطالبوا بمبالغ إضافية أو يدخلوا في خلافات مع المشغل، تصل في بعض الحالات إلى التهديد باللجوء إلى مفتشية الشغل، وهو ما يضع أصحاب المشاريع الصغيرة أمام تحديات قانونية ومادية متزايدة، خاصة في ظل ارتفاع تكاليف الإنتاج وضعف هامش الربح.
ولا تبدو هذه الشكاوى معزولة، إذ يؤكد عدد من المهنيين أن نقص اليد العاملة أصبح واقعًا يفرض نفسه في أكثر من قطاع، الأمر الذي يؤدي إلى تأخير الأشغال، وتقليص ساعات العمل، بل وإلغاء بعض الطلبيات بسبب عدم توفر الموارد البشرية الكافية.
ويرى متابعون للشأن المحلي أن هذه الظاهرة قد تكون مرتبطة بعدة عوامل متداخلة، من بينها الهجرة نحو المدن الكبرى أو الخارج بحثًا عن فرص أفضل، وتراجع الإقبال على بعض المهن التي تتطلب مجهودًا بدنيًا، إلى جانب تغير نظرة فئة من الشباب إلى سوق الشغل، وارتفاع كلفة المعيشة، ما جعل كثيرين يطالبون بأجور أعلى تتناسب مع الظروف الاقتصادية الحالية.
في المقابل، يعتبر مهتمون بحقوق الشغل أن المطالبة بأجر عادل وظروف عمل لائقة تبقى حقًا مشروعًا، مؤكدين أن أي نقاش حول أزمة اليد العاملة ينبغي أن يوازن بين مصلحة المشغل وحقوق الأجير، مع ضرورة احترام مقتضيات مدونة الشغل وتوفير بيئة عمل تحفظ كرامة الطرفين.
وتطرح هذه المؤشرات تساؤلات عميقة حول مستقبل سوق الشغل بإقليم جرسيف، ومدى قدرة المقاولات الصغرى والحرفيين على مواصلة نشاطهم في ظل ارتفاع تكاليف التشغيل وصعوبة استقطاب اليد العاملة.
كما تبرز الحاجة إلى دراسة ميدانية دقيقة تشخص حجم الظاهرة وأسبابها الحقيقية، وتستشرف الحلول الكفيلة بإعادة التوازن إلى سوق العمل المحلي.
ويبقى السؤال المطروح: هل يتعلق الأمر بنقص فعلي في اليد العاملة، أم بتحول في العلاقة بين المشغل والأجير وارتفاع سقف انتظارات العمال؟ سؤال يظل مفتوحًا في انتظار معطيات رسمية ودراسات ميدانية تفسر هذه التحولات المتسارعة.
المصدر:
هبة بريس