في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
أكد النقيب السابق عبد الرحيم الجامعي أن مشروع قانون مهنة المحاماة المطروح حاليا لا يمثل مجرد مبادرة تشريعية عادية، بل يندرج ضمن توجه سياسي ومؤسساتي للدولة يروم إعادة رسم موقع المحاماة داخل منظومة العدالة، معتبرا أن النص المقترح يكرس تراجعا غير مسبوق في استقلال المهنة وصلاحيات مؤسساتها.
وجاءت تصريحات الجامعي اليوم الجمعة خلال لقاء مهني نظمته هيئة المحامين بالرباط، جمع عددا من النقباء والمحامين، حيث أوضح أن هيئات المحامين دأبت منذ سنوات على مناقشة مشاريع إصلاح قانون المهنة، غير أن تلك المشاريع ظلت تعرف مراحل من التجميد والسحب وإعادة الطرح، في ظل استمرار الخلاف بين المحامين والسلطات حول مستقبل تنظيم المهنة.
وقال الجامعي بهيئة الرباط إن ما يجري اليوم ليس مرتبطا بشخص وزير العدل أو بالحكومة الحالية، وإنما يعكس سياسة دولة متواصلة تعود إلى مراحل سابقة، هدفها تنظيم مرفق الدفاع وفق تصور رسمي خاص، مشددا على أن هذا التوجه بدأ قبل دستور 2011 واستمر بأشكال مختلفة إلى اليوم.
وأضاف أن الدولة من حقها البحث عن التوازن بين مؤسسات العدالة، لكنها لا تملك الحق في إحداث تفاوتات دستورية ومؤسساتية تمنح القوة لمؤسسات على حساب أخرى، معتبرا أن مشروع القانون الحالي يضعف المحاماة مقابل تعزيز سلطات مؤسسات أخرى داخل المنظومة القضائية.
وتساءل الجامعي عن الأسباب التي تدفع إلى تقليص مكانة المحاماة، رغم أنها تشكل، بحسب تعبيره، أحد الأعمدة الأساسية لتحقيق العدالة وضمان المحاكمة العادلة، مؤكدا أن استقلال القضاء لا يمكن أن يتحقق دون استقلال المحامي، وأن أي مساس بهذا الاستقلال ينعكس سلباً على حقوق المتقاضين.
وانتقد الجامعي ما وصفه بالحملات التي استهدفت المحامين خلال الفترة الأخيرة، معتبرا أنها تعكس رغبة في إضعاف صورة المهنة أمام الرأي العام، كما أشار إلى غياب إرادة سياسية حقيقية لفتح نقاش جاد حول دسترة المحاماة، مستحضرا في هذا السياق التجارب المقارنة، وعلى رأسها التجربة المصرية التي نص دستورها على مكانة المحاماة واستقلالها، إلى جانب تجارب دول أخرى أقرت حماية دستورية للمهنة.
وأكد أن الدستور المغربي، رغم عدم تنصيصه صراحة على المحاماة، يتضمن مقتضيات تؤسس لمكانتها من خلال تكريس دولة الحق والقانون، وضمان الحق في الدفاع، واستقلال السلطة القضائية، وهي مبادئ تجعل استقلال المحاماة جزءا من ضمانات العدالة.
وشدد الجامعي على أن استقلال المحاماة ليس امتيازا ممنوحا للمحامين، وإنما ضمانة أساسية للمواطن، لأن الدفاع لا يمكن أن يمارس بصورة فعالة إلا من خلال محام مستقل يتمتع بالحماية القانونية والمؤسساتية الكاملة.
وفي تقييمه لمشروع القانون، وصف الجامعي النص بأنه “سيئ” ويحمل مظاهر واضحة للنزعة السلطوية، معتبرا أنه يستهدف المهنة ومؤسساتها وينتقص من الضمانات التي راكمها المحامون عبر عقود.
وبخصوص المرحلة المقبلة، اعتبر أن هيئات المحامين مطالبة بالاستعداد لمختلف السيناريوهات المرتبطة بمسار المشروع، سواء تمت المصادقة عليه خلال الدورة البرلمانية الحالية أو في دورات لاحقة، مؤكدا في الوقت ذاته أن المحامين، بحكم احترامهم لدولة القانون، ملزمون بتطبيق القوانين النافذة مع الاستمرار في النضال من أجل تعديلها وإصلاحها.
وأشار إلى أن التاريخ أثبت أن القوانين المقيدة للحريات لا تدوم، مستحضرا تجارب تشريعية سابقة انتهت بالإلغاء بعد سنوات من الانتقاد والنضال، معتبرا أن مشروع قانون المحاماة الحالي لن يكون استثناء إذا استمرت التعبئة المهنية للدفاع عن استقلال المهنة.
ودعا الجامعي هيئات المحامين إلى اعتماد رؤية استشرافية لإدارة المعارك المهنية المقبلة، تقوم على إعداد دراسات للتوقعات وتحليل السيناريوهات قبل اتخاذ القرارات النضالية، مؤكدا أن الأزمة الأخيرة كشفت الحاجة إلى تطوير آليات التخطيط والتواصل داخل المؤسسات المهنية.
وشدد النقيب السابق على ضرورة الحفاظ على وحدة الصف المهني، وتعزيز الحوار بين القيادات والمحامين، والاستمرار في الدفاع عن استقلال المحاماة ومكانتها داخل منظومة العدالة، معتبرا أن قوة المهنة تكمن في تماسك مؤسساتها وقدرتها على حماية حقوق المحامين والمتقاضين على حد سواء.
المصدر:
العمق