تتسارع الجهود المغربية المنسّقة لحماية المنظومة المالية الوطنية من التهديدات السيبرانية المتنامية، وهو ما أبرزته ورشة وطنية مخصصة لمكافحة عمليات الاحتيال المالي، وتحديدا ظاهرة “التصيد الاحتيالي” (phishing)، نظمها اليوم الجمعة بالرباط بنك المغرب والهيئة الوطنية للمعلومات المالية.
وأكد المشاركون في الورشة الوطنية أهمية “التعبئة الجماعية للسلطات المغربية لمواجهة التحديات التي ترافق التحول الرقمي، الذي اعتبره نبيل بدر، مدير مديرية الإشراف البنكي بالبنك المركزي، “بقدر ما يساهم في تعزيز الشمول المالي وتحديث وسائل الأداء، فإنه يفتح المجال أمام شبكات إجرامية لتطوير مخططات احتيالية بالغة التعقيد”.
كما حضرت خلال الورشة تجربة بنوك مركزية دولية من خلال ديوغو لينكاستان، المسؤول بمديرية الإشراف التحوطي ببنك البرتغال، متقاسما “تجربة بلاده في التنسيق الوطني ومكافحة الاحتيال المالي”، لافتا إلى أن “تبادل الخبرات الدولية يشكل مصدرا ثريا لتعزيز المنظومة الوطنية وتطوير ممارساتها”.
في كلمة افتتحت بها أشغال الورشة، حذّر المسؤول في البنك المركزي المغربي من “التداعيات الاقتصادية الوخيمة لهذه الظاهرة على المستوى الدولي”، مشيرا إلى أن “الخسائر العالمية المرتبطة بالاحتيال المالي قُدرت بنحو 442 مليار دولار خلال عام 2025، وذلك وفقا لتقرير منظمة “الإنتربول”.
وأوضح المسؤول ذاته أن “المحتالين تجاوز تركيزهم على اختراق الأنظمة الأمنية للمؤسسات البنكية إلى استهداف الزبائن مباشرة عبر تقنيات الهندسة الاجتماعية، مثل التصيد الاحتيالي، والمكالمات المخادعة، والرسائل المزيفة، بهدف دفعهم إلى إفشاء معلوماتهم السرية بأنفسهم، مما يضرب في العمق عنصر الثقة الذي ترتكز عليه كافة المعاملات المالية”.
ولمواجهة هذا “الخطر الداهم”، استعرض بنك المغرب حزمة من الإجراءات الاستباقية والجهود المنسقة لحماية القطاع البنكي، حيث أصدر دليلا في يوليوز 2024 لمواكبة البنوك في التصدي للتصيد الاحتيالي، تَبِعه دليل ثان في يوليوز الجاري مخصص لمواجهة مخاطر “الحسابات الارتدادية” التي تستخدم في تحويل وتمرير الأموال المختلسة. كما ألزم البنك المركزي، بحسب نبيل بدر، المؤسساتِ المالية بـ”تعزيز أمن تطبيقاتها الهاتفية عبر اعتماد المصادقة متعددة العوامل، واستخدام أجهزة موثوقة ومسجلة مسبقا، موازاة مع إطلاق حملات تحسيسية وطنية واسعة النطاق، شملت بث رسائل نصية قصيرة لتوعية المواطنين بمخاطر هذه الجرائم”.
ونبّه إلى أن “الاحتيال المالي يمس بنزاهة النظام المالي برمتّه، حيث تظهر أعمال مجموعة العمل المالي أن الأموال المتأتية من الاحتيال السيبراني غالبا ما تغذي مسارات مالية غير مشروعة ومعقدة تشمل تبييض الأموال عبر ولايات قضائية متعددة، وهو ما يتطلب التعامل مع هذه الإشكالية ليس فقط كقضية احتيال أو أمن سيبراني، بل كجزء أساسي من منظومة مكافحة التدفقات المالية غير المشروعة وحماية سلامة القطاع المالي”. وفي هذا الصدد، أكّد “التزام بنك المغرب الكامل بتعزيز مرونة القطاع المالي عبر تأمين البنيات التحتية، وتشديد المتطلبات المطبقة على مؤسسات الائتمان، وتطوير آليات إدارة المخاطر وتدعيم المنظومة القانونية والتحوطية لمواكبة التحول الرقمي بأعلى مستويات الأمان”.
من جانبه، أكد جوهر النفيسي، رئيس الهيئة الوطنية للمعلومات المالية (ANRF)، أن الاحتيال المالي يتجاوز كونه مجرد خسارة للأفراد، ليصبح “مصدرا لتغذية التدفقات المالية غير المشروعة المرتبطة بغسل الأموال وتمويل الإرهاب”.
وذكّر المسؤول عينه بـ”إحداث لجنة وطنية متخصصة في مكافحة الاحتيال المالي منذ فبراير 2025، تعمل تحت إشراف الهيئة، تضم ممثلين عن سلطات الرقابة وإنفاذ القانون”، كاشفا أنها عكفت على “إنجاز دراسة ميدانية معمقة أثمرت توصيات عملية يتم تنزيلها حاليا لتسريع وتيرة التعرف على المحتالين وملاحقتهم قضائيا”.
وترتبط هذه التعبئة الوطنية المنسقة بالتزامات المغرب الدولية. وأشار النفيسي إلى الاستحقاقات الحاسمة التي تنتظر المملكة في إطار الجولة الثالثة للتقييم المتبادل من طرف مجموعة العمل المالي (GAFI/FATF).
وأوضح خلال كلمته مخاطبا المشاركين والمشاركات في الورشة أن “المغرب ملزم بتقديم استبيان الالتزام الفني في نونبر 2026، الذي سيبرز الإصلاحات التشريعية العميقة التي انخرطت فيها البلاد، وعلى رأسها القانون 43.05 المعدل، و”مشروع قانون الأصول الافتراضية”، و”آلية استرداد الموجودات”، ليخلص إلى أن هذه المرحلة تتطلّب “حشد طاقات كافة الفاعلين لإثبات فعالية المنظومة الوطنية في رصد وملاحقة الجرائم المالية، بما يحفظ مصداقية المملكة وريادتها الإقليمية والدولية في مجال حماية النزاهة المالية”.
انتقالا للمعالجة القضائية والأطر التنظيمية، فكّك موسى البرهمي، رئيس مصلحة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب برئاسة النيابة العامة، “البنية التشريعية” المعتمدة لمواجهة هذه الظاهرة، موضحا أن “المشرع المغربي اعتمد مقاربة ثنائية الأبعاد تجمع بين الشقين الوقائي والزجري”.
وقال متحدثا خلال فعاليات جلسة ثانية في الورشة: “ينبني البعد الوقائي على تفعيل القوانين الحمائية مثل قانون حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي، وقانون الأمن السيبراني الموجه للمؤسسات لإدارة الحوادث التقنية، وقانون حماية المستهلك الذي يحظر الإشهار الكاذب ويحمي وسائل الأداء الرقمية”.
وعن “الردع الزجري”، أكد المسؤول برئاسة النيابة العامة أن “المشرع المغربي لم يُفرد نصا خاصا مستقلا تحت مسمى ‘جريمة التصيد الاحتيالي’، بل عالج المنظومة العقابية عبر ملاءمة النصوص التقليدية في القانون الجنائي المتعلقة بالنصب والسرقة لتشمل الوسائل الرقمية وتطبيقاتها”.
كما أشار إلى الاعتماد على القوانين الخاصة بالجرائم المعلوماتية، ولا سيما المادة 607 من القانون الجنائي التي تجرم الولوج غير القانوني لنظم المعالجة الآلية للمعطيات وتزويرها أو إتلافها، وصولا إلى تفعيل مقتضيات الفصل 574 لملاحقة وتجريم غسل الأموال الناتجة عن هذه العائدات الاحتيالية، مما يضمن محاصرة الجريمة من منبعها حتى مسارات تدويرها.
المصدر:
هسبريس