تفرض موجة الترحال السياسي التي تشهدها الأقاليم الجنوبية، مع اقتراب الانتخابات التشريعية، نفسها على واجهة النقاش السياسي والقانوني، بعدما اختار عدد من المنتخبين والمسؤولين المحليين تغيير انتماءاتهم الحزبية استعدادا للاستحقاقات المقبلة، في خطوة تعيد رسم الخريطة الحزبية وتثير تساؤلات حول حدود هذه الممارسة في ظل المقتضيات القانونية المنظمة للانتداب الانتخابي.
ويأتي هذا النقاش في أعقاب إعلان عدد من رؤساء المجالس وبرلمانيين بالأقاليم الجنوبية تغيير انتمائهم الحزبي أو التلويح بخوض الانتخابات المقبلة بألوان سياسية جديدة، في مشهد يعكس حركية غير مسبوقة داخل الخريطة الحزبية بالمنطقة. وتعد هذه التحولات امتدادا لموجة من إعادة الاصطفاف السياسي التي تشهدها عدة جهات بالمملكة؛ غير أنها تكتسب بالأقاليم الجنوبية أهمية خاصة، بالنظر إلى الثقل الانتخابي لعدد من الأعيان ورؤساء المجالس الترابية وتأثيرهم في موازين المنافسة.
وفي المقابل، يثير هذا الواقع نقاشا قانونيا بشأن وضعية المنتخبين الذين يشغلون مسؤوليات داخل المجالس المنتخبة، وما إذا كان انتقالهم إلى أحزاب أخرى خلال مدة الانتداب ينسجم مع القوانين التنظيمية المؤطرة للجماعات الترابية والجهات؟، أم أنه قد يفتح الباب أمام تفعيل مساطر التجريد من العضوية في الحالات التي يعتبر فيها القانون أن المنتخب تخلى عن الحزب الذي ترشح باسمه؟؛ وهو ما يجعل الفصل في مثل هذه الوقائع مرتبطا بالمساطر القضائية والاجتهادات الدستورية ذات الصلة.
وفي استجلائها لمختلف أبعاد هذه الظاهرة، استقت هسبريس آراء فاعلين من مشارب حزبية وأكاديمية وقانونية متباينة، إذ اعتبر فريق منها أن الترحال السياسي يندرج، في الأصل، ضمن حرية الاختيار وإعادة التموضع داخل المشهد الحزبي متى احترم الضوابط القانونية؛ فيما رأى آخرون أنه بات يفرغ الانتماء الحزبي من مضمونه ويقوض ثقة الناخبين في المؤسسات المنتخبة.
وبين هذين الطرحين، شددت القراءة القانونية على أن حرية الانتماء السياسي تظل مقيدة، بالنسبة للمنتخبين، بمقتضيات دستورية وتنظيمية تروم حماية الإرادة الشعبية وضمان استقرار المؤسسات المنتخبة قبيل الاستحقاقات الانتخابية المقبلة.
تفاعلا مع الموضوع، قال محمد بنساسي، عضو المجلس الوطني لحزب الاستقلال، إن النقاش المثار حول الترحال السياسي، خاصة بالأقاليم الجنوبية، يقتضي قدرا كبيرا من الدقة والتمييز بين ما يندرج ضمن الحق الدستوري في حرية الانتماء السياسي وما يخضع لضوابط قانونية واضحة، مؤكدا أنه لا ينبغي الخلط بين حرية الانتماء، باعتبارها حقا يكفله الدستور، وبين ممارسات قد تفرغ الإرادة الشعبية من مضمونها أو تمس باستقرار المؤسسات المنتخبة.
وأضاف بنساسي، في تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية، أن دستور المملكة يكفل، من حيث المبدأ، حرية الانتماء السياسي، ولا يجوز إرغام أي شخص على الاستمرار داخل إطار حزبي لم يعد يعبر عن قناعاته أو مشروعه السياسي؛ غير أن هذه الحرية ليست مطلقة بالنسبة للمنتخبين الذين يمارسون انتدابا انتخابيا، لأن المشرع المغربي، استلهاما لفلسفة دستور 2011، أرسى مجموعة من الضمانات الرامية إلى حماية الاختيار الذي عبر عنه الناخبون يوم الاقتراع.
وأوضح المحامي بهيئة المحامين بالرباط أن الفصل الحادي والستين من الدستور حسم وضعية أعضاء مجلس النواب، من خلال النص على تجريد النائب البرلماني من عضويته إذا تخلى عن الانتماء السياسي الذي ترشح باسمه أو عن الفريق أو المجموعة النيابية التي ينتمي إليها، وفق الشروط والإجراءات التي يحددها القانون؛ وهو ما يعكس حرص المشرع الدستوري على تحقيق التوازن بين حرية الانتماء السياسي وحماية الإرادة الشعبية واستقرار المؤسسات المنتخبة.
وعلى مستوى الجماعات الترابية، أورد بنساسي أن القوانين التنظيمية جاءت لتقر آليات قانونية تتيح، عند الاقتضاء، سلوك مسطرة التجريد من العضوية في مواجهة المنتخب الذي يتخلى عن الحزب الذي ترشح باسمه مع استمراره في ممارسة مهامه الانتدابية، مع بقاء الكلمة الفصل للقضاء الإداري باعتباره الضامن لاحترام المشروعية وسيادة القانون.
وبخصوص الحالات المرتبطة بتغيير الانتماء الحزبي، نبه المتحدث ذاته إلى ضرورة التمييز بين وضعيتين مختلفتين؛ الأولى تتعلق بمنتخب ما يزال يمارس مهامه باسم الحزب الذي ترشح باسمه، وهنا قد يرتب تغيير انتمائه الحزبي آثارا قانونية متى توفرت شروطها، والوضعية الثانية تخص الحركية السياسية التي تسبق الاستحقاقات الانتخابية أو أشخاصا لا توجد في حقهم موانع قانونية تحول دون تغيير انتمائهم الحزبي، وفي هذه الحالة يظل الأمر، من حيث الأصل، تعبيرا عن حرية العمل السياسي التي يكفلها الدستور.
وأكد المدافع عن مبادئ حزب الاستقلال أن الترحال السياسي، عندما يتحول إلى ظاهرة متكررة، تكون له تداعيات مباشرة على الحياة السياسية والحزبية؛ حيث قد يؤدي إلى إضعاف ثقة المواطنين في المؤسسات المنتخبة، ويكرس لدى جزء من الرأي العام الانطباع بأن الانتماء الحزبي أصبح، في بعض الحالات، مرتبطا بحسابات انتخابية ومواقع للمسؤولية أكثر من ارتباطه بقناعات فكرية أو برامج سياسية واضحة. كما قد يؤثر الترحال السياسي في استقرار المشهد الحزبي، ويحد من قدرة الأحزاب على بناء مشاريع سياسية متماسكة، ويضعف وظيفتها الدستورية في التأطير والتأهيل السياسي للمواطنين، بما ينعكس سلبا على جودة الوساطة السياسية ويغذي مظاهر العزوف عن المشاركة في الحياة العامة.
واستدرك المتحدث عينه قائلا: إن هذه القراءة لا تعني اختزال جميع الانتقالات الحزبية في صورة سلبية، لأن الحياة الديمقراطية تقوم بطبيعتها على حرية الاختيار وتطور القناعات السياسية، وقد تفرض التحولات الداخلية للأحزاب أو الاختلاف حول الرؤى والبرامج أو غياب شروط الممارسة الديمقراطية داخل بعض التنظيمات مراجعة الانتماء السياسي.
وأشار إلى أن التحدي الحقيقي يكمن في تحقيق توازن بين احترام حرية الفاعل السياسي في مراجعة خياراته وصون الإرادة الشعبية التي أفرزتها صناديق الاقتراع؛ الشيء الذي يعزز استقرار المؤسسات المنتخبة ويحافظ في الآن ذاته على حيوية التعددية السياسية.
وفي هذا السياق، أبرز محمد بنساسي أن ما تشهده الأقاليم الجنوبية اليوم يعكس دينامية سياسية مرتبطة بالاستعداد المبكر للاستحقاقات التشريعية المقبلة، بالنظر إلى المكانة الاستراتيجية التي تحتلها هذه الأقاليم في الخريطة الانتخابية الوطنية، مستدركا أنه ليس من الإنصاف وضع جميع الانتقالات الحزبية في سلة واحدة، لأن منها ما تفرضه تحولات حقيقية داخل الأحزاب أو اختلافات في الرؤى والبرامج، ومنها ما تحكمه اعتبارات انتخابية مرحلية، لافتا إلى أن الفيصل في تقييم هذه السلوكيات يبقى هو المواطن عبر صناديق الاقتراع.
وشدد المصرح لهسبريس على أن معالجة ظاهرة الترحال السياسي لا ينبغي أن تقتصر على الزجر القانوني، لأن النصوص وحدها لا تصنع حياة حزبية سليمة؛ بل إن الرهان الحقيقي يتمثل في تقوية الديمقراطية الداخلية للأحزاب، وتكريس الشفافية في تدبيرها، وإفساح المجال أمام الكفاءات والشباب، وربط المسؤولية بالمحاسبة، حتى يصبح الانتماء الحزبي قائما على الاقتناع بالمشروع السياسي والالتزام به لا على اعتبارات ظرفية أو انتخابية.
وخلص عضو المجلس الوطني لحزب الاستقلال إلى أن الديمقراطية لا تقاس بعدد المنتقلين بين الأحزاب، وإنما بقدرة التنظيمات السياسية على إنتاج الثقة وتأطير المواطنين والمحافظة على مناضليها من خلال قوة المشروع السياسي وجودة الأداء واحترام المؤسسات الداخلية.
وأورد بنساسي أن تخليق الحياة السياسية يظل رهينا بترسيخ ثقافة التنافس على أساس البرامج والتصورات والكفاءات، لا على أساس الأشخاص أو موازين النفوذ أو استقطاب الأعيان، حتى يكون الرابح الحقيقي في نهاية المطاف هو الديمقراطية المغربية القائمة على التنافس الشريف واحترام القانون وصون الإرادة الحرة للناخب.
بدوره، سجل دداي بيبوط، الكاتب الجهوي لحزب العدالة والتنمية بالعيون الساقية الحمراء، أن النقاش حول الترحال السياسي لا يمكن فصله عن طبيعة الممارسة الحزبية والديمقراطية بالمغرب.
وأضاف بيبوط، ضمن إفادة لهسبريس، أن السياسة، شأنها شأن الاقتصاد، لا ينبغي أن تترك رهينة للمصالح الضيقة؛ لأن ذلك يفضي إلى ليّ أعناق النصوص القانونية وتوجيهها بما يخدم مصالح فئات بعينها، بدل تكريسها لخدمة الصالح العام.
وأوضح المستشار الجماعي بالعيون أن الحزب الديمقراطي لا يمكن أن يزدهر إلا داخل بيئة ديمقراطية تعددية، تضع فيها الدساتير والقوانين حدودا واضحة لاختصاصات الأحزاب وسلوك نخبها، وتنظم العلاقة بين مختلف السلط، سواء الحكومة أو البرلمان أو باقي المؤسسات، في ظل رقابة قضائية صارمة تمنع تغول أي سلطة على أخرى، وتضع ضوابط تكفل حماية الحياة السياسية من مظاهر “الميوعة” التي تسيء إلى الذوق العام وتفرغ العمل الحزبي من مضمونه.
وأكد الفاعل الحزبي سالف الذكر أن توفر هذه الشروط كفيل بتربية مختلف الفاعلين على الأخلاق السياسية الرفيعة، وتجنب كل الممارسات التي من شأنها الإضرار بسلامة المشهد السياسي.
وأبرز الباحث في الشؤون الصحراوية أن المغرب اختار منذ السنوات الأولى للاستقلال نظاما برلمانيا تعدديا، استجابة لخصوصياته التاريخية والاجتماعية، باعتباره بلدا عرف تعددية قبلية وسياسية حالت دون تكريس نموذج الحزب الوحيد الذي طبع تجارب عدد من الدول العربية والإفريقية بعد الاستقلال.
وأكد الكاتب الجهوي لحزب “المصباح” بالعيون الساقية الحمراء أن التجربة الحزبية المغربية لم تتشكل في ظروف عادية، وإنما تأثرت بصراعات سياسية وفكرية أفرزت انشقاقات متتالية داخل الأحزاب الوطنية، انطلقت باختلافات مرتبطة بالرؤى والتصورات السياسية، وأسهمت في إنتاج تعددية حزبية أغنت النقاش العمومي، مستفيدة من هامش التعددية الذي وفرته الدولة.
ولفت المتحدث عينه إلى أن هذه الدينامية كانت تعكس، في مراحلها الأولى، اختلافات فكرية حقيقية أكثر من كونها صراعات حول المواقع.
واسترسل بيبوط في القول إن المشهد الحزبي عرف، مع مرور الزمن، تحولا عميقا. ولم تعد الانشقاقات مرتبطة باختلاف البرامج أو المرجعيات، وإنما أصبحت، في كثير من الأحيان، ناتجة عن تضارب المصالح الشخصية بين القيادات؛ الأمر الذي أفرز، حسب تعبيره، “مجتمعا سياسيا هجينا” يصعب تفسيره بأدوات التحليل السياسي التقليدية، بعدما باتت الاعتبارات الانتخابية والمصالح الخاصة تطغى على النقاش الفكري والحزبي.
كما استحضر المصرح لهسبريس أن هذا التحول لم يعد يقتصر على تأسيس أحزاب جديدة عقب كل خلاف؛ بل انتقل إلى نمط آخر يقوم على الاحتفاظ بالأحزاب القائمة واستعمالها كأوعية لاستقبال المنتخبين والفاعلين السياسيين الذين يغيرون انتماءاتهم كلما ضاقت بهم ظروف الممارسة داخل تنظيماتهم، سواء عبر الاستقالة أو الطرد، مع السعي إلى تجاوز القيود القانونية المرتبطة بالمناصب الانتدابية والالتحاق بأحزاب أخرى استعدادا للاستحقاقات الانتخابية.
ونبّه المهتم بالشأن السياسي بالأقاليم الجنوبية إلى أن هذه الممارسة لم تعد تقتصر على فئة سياسية بعينها؛ بل أضحت، حسب تقديره، ظاهرة تشمل منتخبين من مختلف التوجهات، من أعيان العالم القروي إلى بعض الوجوه الحزبية ذات الخلفيات اليسارية والوطنية؛ وهو ما يعمق، في نظره، حالة السيولة التي يعرفها المشهد الحزبي الوطني، ويضعف قدرة المواطن على التمييز بين المشاريع السياسية المتنافسة.
وتابع قائلا: إن الدفاع عن التعددية الحزبية لا يعني القبول بتحويلها إلى فضاء مفتوح للتنقلات غير المنضبطة؛ لأن التعددية الحقيقية تقوم على وضوح المرجعيات والالتزام السياسي، لا على تبديل الانتماءات تبعا للمصالح والرهانات الانتخابية الظرفية، مؤكدا أن حماية الحياة السياسية تستوجب احترام روح الدستور وقانون الأحزاب، إلى جانب ترسيخ أخلاقيات الممارسة السياسية.
وأجمل دداي بيبوط بالقول إن ما آلت إليه الحياة الحزبية يفرض وقفة حقيقية لإعادة الاعتبار للعمل السياسي القائم على المبادئ والبرامج. واعتبر أن استمرار ظاهرة الترحال السياسي بما تشهده اليوم من اتساع، خاصة مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، يكرس حالة من الانحدار والسيولة داخل المشهد الحزبي، ويضعف ثقة المواطنين في المؤسسات وفي جدوى الانتماء الحزبي؛ وهو ما يستدعي إصلاحا يعيد للتعددية معناها الحقيقي ويصون الاختيار الديمقراطي.
من زاوية أنثروبولوجية، قال زكرياء أقنوش، الأستاذ بجامعة مولاي إسماعيل بمكناس، إن عودة الترحال السياسي إلى واجهة النقاش مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، خاصة بالأقاليم الجنوبية، تعكس ديناميات سوسيو-أنثروبولوجية عميقة تحكم سلوك المنتخبين، وتتداخل فيها الامتدادات القبلية والمحلية مع المرجعية الدستورية والاجتهادات القضائية.
وأضاف أقنوش، ضمن تصريح لهسبريس، أن الترحال السياسي في البيئة الصحراوية يمثل آلية يلجأ إليها النسق السوسيو-قبلي لإعادة تكييف أدوات العمل السياسي الحديث مع البنية التقليدية.
وأوضح الأستاذ الجامعي أن الحزب لا يُنظر إليه باعتباره حاملا لمشروع سياسي أو إيديولوجي، وإنما كإطار قانوني ومؤسساتي يسمح للنخب المحلية والأعيان بولوج مراكز التدبير؛ بينما يظل الولاء الحقيقي موجها إلى البنية القبلية وشبكات المصالح أكثر من ارتباطه بالتنظيم الحزبي.
ومن منظور قانوني، أكد المتحدث ذاته أن المغرب عرف تحولا جذريا في فلسفة تنظيم الحياة الحزبية مع دستور سنة 2011، بعدما كان الفراغ الدستوري في الدساتير السابقة يسمح بسهولة الانتماء السياسي ويحول الترحال إلى ممارسة اعتيادية لإعادة تشكيل التوازنات داخل المؤسسات المنتخبة، مشيرا إلى أن الفصل الحادي والستين من الدستور والقوانين التنظيمية المؤطرة للجماعات الترابية جاءت لتكريس مبدأ الاستقرار الحزبي وحماية الإرادة الانتخابية.
وأوضح الخبير في الأنثروبولوجيا السياسية أن القضاء الدستوري المغربي لم يكتف بالتفسير الحرفي للنصوص؛ بل طور اجتهادا قضائيا متكاملا يقوم على اعتبار المقعد الانتخابي ثمرة تعاقد يجمع الناخب والحزب والمنتخب، وهو ما جعل التجريد من العضوية وسيلة قانونية لحماية هذا التعاقد، وليس مجرد عقوبة زجرية في مواجهة المنتخب المترحل.
وعلى مستوى الممارسة الانتخابية، أكد الأستاذ الجامعي أن ما يسميه بـ”الترحال في الوقت الميت” أصبح من أبرز الأساليب التي تعتمدها بعض النخب المحلية، إذ تستثمر كامل الولاية الانتخابية تحت مظلة الحزب الذي منحتها التزكية، قبل أن تعلن انتقالها إلى حزب آخر مع اقتراب الانتخابات، في رهان على بطء المساطر القضائية وعدم صدور أحكام نهائية قبل انتهاء الولاية.
ونبه المحلل السياسي عينه إلى أن القضاء الإداري المغربي واكب هذه التحولات من خلال الانتقال من الاكتفاء بالشكل القانوني إلى اعتماد معيار “التخلي الفعلي والضمني” عن الحزب، معتبرا أن التصويت المتكرر ضد توجهاته أو الظهور العلني إلى جانب منافسيه أو طلب تزكية حزب آخر كلها قرائن مادية يمكن أن تؤسس للتجريد من العضوية.
وزاد شارحا: إن هذا الاجتهاد القضائي يعكس انتقال القضاء الإداري من تطبيق النصوص إلى الإسهام في الهندسة الدستورية للحياة السياسية، عبر محاصرة محاولات الالتفاف على القانون وإفراغ مقتضيات منع الترحال من مضمونها، خاصة من خلال تفعيل القضاء الاستعجالي في القضايا المرتبطة بالتجريد.
ولفت أقنوش الانتباه إلى أن الترحال السياسي بالأقاليم الجنوبية يكشف عن مرحلة انتقالية يعيشها العقل الانتخابي المغربي، يحاول خلالها النسق القبلي التكيف مع الضوابط الدستورية والقانونية الجديدة، في ظل استمرار تأثير البنيات التقليدية في تشكيل السلوك السياسي.
وأنهى أستاذ الأنثروبولوجية السياسية بالتأكيد على أن القضاء الدستوري والإداري نجح إلى حد كبير في تضييق هامش المناورة القانونية أمام المنتخبين المترحلين، مشددا على أن الرهان الحقيقي يظل رهانا ثقافيا ومؤسساتيا، يرتبط بقدرة الأحزاب السياسية على التحول من فضاءات لمنح التزكيات الانتخابية إلى مؤسسات تنتج نخبا تؤمن بالأفكار والبرامج، بدل الارتهان للأشخاص والتوازنات القبلية المتحركة.
المصدر:
هسبريس