تضع التحولات الديمغرافية التي كشفت عنها المندوبية السامية للتخطيط، عقب تحيين الإسقاطات السكانية إلى غاية سنة 2060، سوق الشغل بالمغرب أمام تحديات متزايدة، في ظل ارتفاع عدد السكان النشيطين، واستمرار الهجرة من العالم القروي نحو المدن، وتسارع وتيرة الشيخوخة، مقابل تراجع عدد سكان المناطق القروية.
وتفيد المعطيات الرسمية بأن عدد سكان المغرب سيرتفع من 36.8 مليون نسمة سنة 2024 إلى حوالي 43.3 مليون نسمة بحلول سنة 2060، غير أن متابعين يرون أن الرهان لم يعد مرتبطا فقط بالنمو الديمغرافي، وإنما بقدرة الاقتصاد الوطني على استيعاب هذه الدينامية السكانية عبر خلق فرص شغل كافية، والحد من البطالة، وتقليص مظاهر الإقصاء الاجتماعي.
وفي هذا السياق، أكد المحلل الاقتصادي محمد الشرقي، في تصريح لجريدة “العمق”، أن مواجهة هذه التحولات تتطلب اعتماد رؤية وطنية شاملة تقوم على حلول تشريعية وتنظيمية واقتصادية ومالية، ترتكز على إرادة سياسية واضحة تجعل من محاربة البطالة والإقصاء الاجتماعي هدفا استراتيجيا ضمن السياسات العمومية.
وأوضح الشرقي أن نجاح هذه الرؤية يقتضي انخراط جميع المتدخلين، وفي مقدمتهم الدولة، ومؤسسات التعليم والتكوين، والقطاع الخاص، والمؤسسات البنكية، والجمعيات، من أجل بناء منظومة متكاملة تضمن إدماج الشباب في سوق الشغل وتحقيق تنمية اقتصادية واجتماعية متوازنة.
وأضاف أن معالجة إشكالية التشغيل تستوجب اعتماد مقاربة مجالية تراعي خصوصيات كل جهة، مع إدماج التشغيل ضمن برامج التنمية المحلية، حتى يصبح خلق فرص العمل عنصرا أساسيا في التخطيط التنموي، وليس مجرد نتيجة للنمو الاقتصادي.
وشدد المتحدث على أن الاستثمار في الشباب ينبغي أن ينطلق قبل ولوجهم سوق الشغل، من خلال تطوير منظومة التكوين والتأهيل، وربطها بحاجيات الاقتصاد الوطني، وتوجيهها نحو القطاعات ذات القيمة المضافة، وفي مقدمتها البنيات التحتية، وقطاع التشييد والبناء، والصناعة، إلى جانب المهن المرتبطة بالاستثمارات الأجنبية، بما ينسجم مع توجهات النموذج التنموي الجديد ويعزز قابلية تشغيل الخريجين.
واعتبر الشرقي أن تحقيق معدلات نمو اقتصادي مرتفعة لن يكون كافيًا ما لم ينعكس بشكل مباشر على تحسين مستوى عيش المواطنين، ورفع الدخل الفردي، وتعزيز القدرة الشرائية، وتحويل الطلب الداخلي إلى رافعة أساسية لخلق فرص الشغل، بما يساهم في توسيع القاعدة الإنتاجية، وتحفيز الاستثمار، وتعزيز الثروة الوطنية.
وفي المقابل، حذر المحلل الاقتصادي من ثلاثة تحديات رئيسية قد تعرقل هذه الجهود، يتمثل أولها في استمرار حالة عدم اليقين التي تطبع المحيطين الإقليمي والدولي، وما تفرضه من ضغوط على الاقتصاد الوطني وسوق الشغل.
أما التحدي الثاني، بحسب الشرقي، فيتعلق بالتسارع الكبير في التحولات التكنولوجية، خاصة مع تنامي الاعتماد على الرقمنة والذكاء الاصطناعي، وهو ما يهدد عددا من المهن التقليدية، خصوصا تلك التي تعتمد على اليد العاملة الأقل تأهيلا، ويفرض في المقابل تطوير المهارات الرقمية وإعادة تأهيل الموارد البشرية لمواكبة التحولات الجديدة.
ويتمثل التحدي الثالث في تنامي تأثير الاستثمارات الأجنبية المباشرة في تحديد طبيعة التخصصات والمهارات المطلوبة داخل سوق الشغل، وهو ما يجعل أسواق العمل في الدول النامية، ومن بينها المغرب، أكثر ارتباطا بحاجيات الاقتصاد العالمي ومتطلبات الشركات متعددة الجنسيات، الأمر الذي يفرض تحديث منظومة التكوين بشكل مستمر حتى تواكب التحولات المتسارعة.
ورغم هذه الإكراهات، يرى الشرقي أن المغرب يتوفر على مؤهلات مهمة تمكنه من تحويل هذه التحديات إلى فرص، من بينها موقعه الجغرافي الاستراتيجي، والاستقرار السياسي والمؤسساتي، وتنوع نسيجه الاقتصادي المتجه نحو التصنيع والاندماج في سلاسل الإمداد العالمية، فضلًا عن توفره على رأسمال بشري مهم يشكل رافعة أساسية لتحقيق التنمية.
وخلص المحلل الاقتصادي إلى أن الرهان الحقيقي خلال السنوات المقبلة يتمثل في إعادة إدماج الطاقات البشرية، وخاصة الشباب، في الدورة الاقتصادية، وتحويلها إلى قوة إنتاجية قادرة على تعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني، وجذب مزيد من الاستثمارات، وتحقيق تنمية أكثر شمولًا واستدامة، بما يواكب التحولات الديمغرافية التي سيعرفها المغرب إلى غاية سنة 2060.
المصدر:
العمق